تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
كالقرآن مثلا ، أي : ما صدر عنه ذلك عن هوى نفسه ورأيه ، إن هو - أي : القرآن - إلا وحى من اللّه - عز وجل - يوحى به إليه « 1 » . علم النّبىّ جبريل - عليه السلام - الذي هو شديد القوى ، علمه القرآن ، ولا عجب في ذلك فقد قلع قرى قوم لوط ، وصاح بقوم صالح فأصبحوا جاثمين ، وكان هبوطه على الأنبياء في لمح البصر ، وهو القادر بأمر اللّه على التشكل بأشكال مختلفة ، وهو ذو مرة ، أي : صاحب حكمة وحصافة في العقل ، وبعد في النظر ، فاللّه قد وصفه بقوة الجسم وقوة العقل والرأي . فهل رآه النبي على صورته الحقيقية ؟ فقيل في الجواب : نعم رآه فاستوى واستقام على صورته الحقيقية التي خلقه اللّه تعالى عليها ؛ له ستمائة جناح كل جناح منها يسد الأفق على ما روى ، رآه والحال أن جبريل بالأفق الأعلى ، وفي المروي أن ذلك في أول البعثة ، ثم قرب جبريل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتدلى ، أي : كان معلقا في الهواء ، فكان قريبا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمقدار قابى قوسين أو أقرب من ذلك ، وأو للشك من جهة العباد لا من اللّه سبحانه ، أي : من يراه يظن أنه كذلك أو أقرب . فأوحى جبريل إلى عبد اللّه « 2 » ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من القرآن ما أوحى ، وفي الصورة الحقيقية أو غيرها ما كذب فؤاد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما رآه ببصره ، أي : لم يقل بقلبه لما رآه ببصره : لم أعرفك فيكون كذبه . ويقول العلامة الآلوسي نقلا عن الكشف : إن هذه الآيات سيقت لتحقيق أمر الوحي ، ونفى الشبهة والشك فيه ليتأكد الكل أن هذا الوحي ليس من الشعر ولا من الكهانة ، فليس للشيطان ولا للجن أي قدرة على تصورهم للنبي في صورة جبريل الحقيقة أو غيرها لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عرفه بقلبه وبصره ، ورآه في حالاته المتعددة ، ومن ثم لم يكن من المعقول أن يشتبه عليه ، انظر إلى قوله : فاستوى ، ثم إلى قوله : ثم دنا فتدلى ، فأوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأى ، ومن هنا كان ترتيب قوله تعالى : أفتمارونه
هامش
( 1 ) هذه الجملة واقعة في جواب سؤال مقدر نشأ بعد قوله تعالى :وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، لذلك فصلت وجملة يوحى وصف لوحى لدفع المجاز وتأكيد الإيحاء . ( 2 ) نعم هو عبد اللّه فقط ، وما كان عبدا لأي كائن في الدنيا ! وكيف يكون غير ذلك ! !