المعنى :
لما قص اللّه الأقاصيص العجيبة التي تمثل صدق الوحي وثبوته قال للمشركين موبخا لهم : أفرأيتم ما تعبدون من دون اللّه ؟ أي : أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون اللّه . هل لها قدرة توصف بها ؟ هل أوحت لكم بشيء كما أوحى اللّه إلى محمد ؟ أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع ، وقد ذكر من هذه الأصنام ثلاثة مشهورة ، وكانت معظمة عندهم جميعا ، والظاهر - واللّه أعلم - أنها كانت في أماكن متعددة ، أي : بالطائف ومكة وغيرهما ، أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى التي هي غاية في الذم والحقارة ؟ ألكم الذكر وله الأنثى ؟ وكيف تجعلون للّه ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور ، وذلك قولهم : الملائكة بنات اللّه ، تلك إذا قسمة ضيزى قسمة جائرة غير عادلة ، وهذا ، أي : قوله
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
توبيخ آخر لهم .
ما الأوثان والأصنام التي تدعونها آلهة إلا أسماء محضة ليس فيها شيء من معنى الألوهية لأنها لا تسمع ولا تبصر ، ولا تغنى ولا تنفع ، فما هي إلا أسماء لا مسميات لها ولا حقائق ، تلك أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من قبل ، ما أنزل اللّه بها من سلطان ، ولا حجة ولا برهان ، وما حجتهم في ذلك ؟ ما يتبعون فيما ذكر من التسمية واتخاذهم الأصنام آلهة إلا العمل بالظن الذي لا يغنى من الحق شيئا ، ولا يتبعون إلا ما تهواه نفوسهم وتشتهيه ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى والبيان الرائع ، جاءهم : أن اعبدوا اللّه وحده ، ولا تشركوا به شيئا ، وأن هذه الأصنام لا تغنى ولا تنفع ، وجاءهم كل هذا في القرآن الحكيم الذي يدعوهم إلى التوحيد بالدليل والبرهان القوى الذي لا يقبل الشك . . . أم للإنسان ما تمنى ؟ « 1 » نعم ليس للإنسان شيء مملوك له مما يتمناه ، يتصرف فيه حسب ما يريد ، ومن باب أولى هؤلاء الكفار وأمانيهم الباطلة ، ترى أن اللّه أضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم وعن اتباعهم هوى النفس الأمارة بالسوء ، وانتقل إلى إنكار أن يتحقق لهم ما يتمنون كأن تنفعهم الأصنام أو تشفع لهم ، ثم علل ذلك بقوله . فللّه أمور الآخرة والدنيا فما شاءه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ثم أكد ذلك
هامش
( 1 ) هي أم المنقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام التي للإنكار .