وفي وصف القرآن بالمجيد بيان لاشتماله على المكارم الدينية والدنيوية التي تكفل السعادة لمن اتبعها في الدارين ، ولعل وصف القرآن بذلك لأنه كلام الإله المجيد الرحمن الرحيم
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ . بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ
. . .
هؤلاء الكفار عجبوا لأن جاءهم رسول منهم ينذرهم بالبعث ، فأنكر اللّه عليهم تعجبهم مما ليس بعجب « 1 » ، وهو أن ينذرهم رجل منهم قد عرفوا فيه العدالة والصدق والأمانة حتى لقبوه بالأمين ، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحا لقومه عطوفا عليهم رائدا لهم غير كاذب عليهم - كما أقروا له بذلك قبل البعثة - ومثل هذا الرجل إذا رأى خطرا عليهم أنذرهم به ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنذرهم بما هو غاية في المخاوف ، ونهاية في المتاعب لو ظلوا على شركهم ، واللّه - سبحانه وتعالى - ينكر عليهم تعجبهم مما أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة اللّه - تعالى - على خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وإقرارهم له بأنه خلق العالم أولا ، والعقل شاهد عدل بإمكان البعث بل لا بد منه ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالحسنى ، وليجزي الذين أساءوا بالسوء .
فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
وتلك حكاية لتعجبهم « 2 » والإشارة لكونه صلّى اللّه عليه وسلّم منذرا بالقرآن ، والكلام عن هؤلاء الكفار أولا بالإضمار في قوله :
بَلْ عَجِبُوا
ثم بالإظهار في قوله :
فَقالَ الْكافِرُونَ
للإشارة إلى تعيينهم بما أسند إليهم أولا ، والتسجيل عليهم بالكفر ثانية .
ثم أكدوا تعجبهم من الإيمان بالبعث فقالوا : أإذا متنا وكنا ترابا نبعث ؟ ! ! أي : حين نموت ونصير ترابا نرجع ؟ إن ذلك رجوع بعيد جدّا عن الأوهام والعقول والواقع .
ترى أن أساس إنكارهم للبعث وتعجبهم منه أنهم يظنون أن إعادة الجسم بعد التفرق والانحلال والصيرورة إلى تراب أمر بعيد جدّا بل هو محال ، ومن الذي يجمع الجزئيات بعد تفرقها في التراب أو ذهابها في بطون السباع والوحوش والأسماك ؟ ومن الذي يحصى
هامش
( 1 ) - لأن قوله تعالى :بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْبل للإضراب الإبطالى مع تقدير استفهام إنكاري لعجبهم هذا .
( 2 ) - والفاء للتفصيل مثلها في قوله تعالى :وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ.