سلما - باستسلام منهم وإذعان - فهم قد أخذوا قهرا واستسلموا عجزا ، واستحييناهم فأنزل اللّه
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ
وكان اللّه بما تعملون بصيرا وسيجازيكم على ذلك بالجزاء الأوفى .
ولم يكن كفهم عنكم لخير فيهم فإنهم كفروا باللّه ورسوله ، وأخرجوا رسول اللّه من مكة ، وصدوكم عن المسجد الحرام . وصدوا الهدى - ما يهدى إلى البيت من النعم حالة كون الهدى معكوف ومحبوسا من أن يبلغ محله ، وكل ذلك يقتضى قتالهم ، فلا يعقل أن يقال : إن الفريقين اتفقوا على عدم القتال ، واصطلحوا ولم يبق بينهم نزاع بل النزاع مستمر لأنهم كفروا وصدوا عن المسجد الحرام ومنعوا الهدى من أن يبلغ محله .
وإنما كان الكف والمنع لحكم إلهية اللّه يعلمها ، منها أن هناك رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أشخاصهم ، واللّه يعلمهم ، فإذا كان القتال ولم يكن الكف لقتلتم هؤلاء ، وأنتم لا تعلمونهم فتصيبكم منهم معرة وعيب ومكروه ومشقة حيث تجب الكفارة ويحصل الأسف لقتلهم ، وخلاصة المعنى : ولولا كراهة أن تهلكوا في الحرب رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بين ظهراني الكفار ، وأنتم لا تعلمونهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم ، واللّه يكره أن يصيبكم مكروه ومعرة ، ولكن اللّه - سبحانه - كفكم عنهم ، وكفهم عنكم ليدخل اللّه بذلك الكف من يشاء في رحمته ، أي : في توفيقه لزيادة الخير في الإسلام ومنع إيذاء من لا يستحق من المؤمنين الذين يعيشون في مكة .
لو تميز المؤمنون عن الكفار في مكة ، وافترق بعضهم عن بعض ، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما في الدنيا بالقتل والأسر غير عذاب الآخرة « 1 » .
اذكر إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية الأولى حيث أنفوا من كتابه بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ومن وصف النبي بأنه رسول اللّه ، ومن تمسكهم بشروط هي في ظنهم مجحفة بالمسلمين ، فأنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
هامش
( 1 ) - وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها ، وجوز بعضهم أن يكون ( لو تزيلوا ) كالتكرار لقوله تعالى : لولا رجال مؤمنون ، وقوله : ( لعذبنا ) هو جواب لولا .