تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
فيما كانوا فيه يختلفون مع النبي وصحبه ، وعلى هذا فصاحب النعم يجب ألا يغير بما عنده من نعم مهما كانت ، بل دائما يراقب اللّه ، ويعلم أن ما أوتى من خير فعليه شكره لا كفره . ولما بين اللّه - تعالى - إعراض بني إسرائيل عن الحق لأجل البغي والحسد أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعدل عن تلك الطريقة ، وأن يتمسك بالحق فقط فقال : ثم جعلناك يا محمد أنت وأمتك على شريعة من الأمر ، أي : على طريق واضح ، ومنهل عذب ومورد كريم ، به تحيا النفوس كما تحيا الأجساد بالماء ، فاتبعها فإنها شريعة الحق والعدل والخير في الدنيا والآخرة ، إنها شريعة ثابتة مؤيدة بالحجة والبرهان القوى ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ، فإنهم لا حجة معهم ولكنها جهالات وأهواء ليست على أساس . إنهم لن يغنوا عنك من عذاب اللّه شيئا ، ولن يدفعوا عنك ألما ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، أما المسلمون فاللّه وليهم وهو هاديهم يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يهدده ربه بأنه لن ينفعه أحد لو انحرف عن الشريعة فما بالنا نحن ؟ ! هذا القرآن بصائر للناس ، ففيه دلائل واضحة تبين لهم المعالم وتهديهم إلى الخير بمنزلة البصائر في القلوب التي تنير الطريق لصاحبها ، وهو هدى ورحمة ولكن لقوم يوقنون . بل أحسب الذين اكتسبوا الآثام واقترفوا الذنوب أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لا ينبغي أن يكون ذلك ولا يصح أن نسوى بينهم في شيء ، أحسبوا أن نجعلهم مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستويا حياتهم ومماتهم ، ألا ساء ما يحكمون ! وهذا تهديد عام لكل من خرج على الدين ، ولم يمتثل أمره ، بأنه ليس من العدل أن يسوى بينه وبين من سار على الصراط المستقيم ، واللّه جل شأنه خلق السماوات والأرض بالحق ، ولو لم يوجد دارا أخرى للثواب والعقاب لما كان خلقه السماوات والأرض بالحق ، فإن العالم فيها بين غنى وفقير ، ومريض وصحيح ، وفرح ومحزون ، فلا بد إذن من حياة يثاب فيها المؤمن على إيمانه في الدنيا ، فربما كان فيها فقيرا مريضا ممتحنا بالبلاء ولقد صدق اللّه حيث يقول :
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
« 1 » فلو ترك الظالم الذي ظلم غيره في الدنيا ، ولم
هامش
( 1 ) - سورة الجاثية آية 22 .