للحياة ، وهكذا وهكذا من ذلك كثير كما يعرفه علماء الطب والتشريح ، ولقد صدق اللّه حيث يقول :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ سورة الذاريات آية 21 ] .
أو لم يتفكروا في أنفسهم ، وهي أقرب الأشياء إليهم فيعلموا أن خلق السماوات والأرض وما فيها لا يمكن أن يكون إلا وفق حكمة الحكيم وتدبير الخبير البصير وأنه لا بد لهذا الكون من آخر ، وله نهاية ينتهى إليها للحساب والعقاب ، وأنه لا يعقل أبدا أن يخلق عبثا إلا لحكمة
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون 115 ] .
وقيل :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
معناه : أو لم يحدثوا التفكير في أنفسهم وفي قلوبهم الفارغة الخالية من الفكر والتفكير فيعلموا أنه ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق ، أي : ما خلقهما باطلا وعبثا بغير غرض صحيح ، وحكمة بالغة ، وإنما خلقهما خلقا مقرونا بالحق مصحوبا بالحكمة ، والتقدير إلى أجل مسمى عنده ، ينتهى إلى قيام الساعة .
وإن كثيرا من الناس بعد هذا كله بلقاء ربهم لكافرون وجاحدون .
ثم انتقل بعد هذا إلى الدلائل المحسوسة والشواهد الناطقة بهلاك أمثالهم ومن هم أشد منهم قوة وأكثر مالا ، وإثارة للأرض حتى عمروها لعلهم يعتبرون .
أو لم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار من قبلهم من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية وقد كانوا أشد من كفار مكة قوة في المال والرجال ! وكانوا أصحاب زرع وضرع ، وعمارة وبناء ، وقد عمروا الأرض أكثر مما عمرها العرب ، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات ، وأمروهم بالمعروف ، ونهوهم عن المنكر ، فلما كذبوا رسلهم أخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر وما كان اللّه ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
ثم كان عاقبة الذين أساءوا هي السوأى ، أي : أن ما تقدم من الهلاك كان عقابا لهم في الدنيا ، وأما في الآخرة فلهم السوأى ، أي : جهنم ، لأنهم كفروا برسلنا وكذبوا بآياتنا ، وكانوا بها يستهزئون ، فانظروا يا آل مكة إلى أنفسكم ، فأنتم أولى بالهلاك في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة فهل من مدكر ؟ ؟
ولا غرابة في ذلك فاللّه يبدئ الخلق ثم يعيده ، ثم إليه ترجعون ، واذكروا يوما ترجعون فيه إلى اللّه ، ويبلس فيه المجرمون ، من شدة الأهوال فيسكتون وتنقطع عنهم