تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 839

مساهمون:

ص٨٣٩
إنك لا تهدى من أحببت من الناس ، ولا تدخلهم في حظيرة الإيمان ، إنما عليك فقط البلاغ والدعوة إلى اللّه وبيان الشريعة الغراء ، ولكن اللّه - سبحانه - يهدى من يشاء ويوفقه ويشرح صدره للإسلام
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ
.
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
نعم اللّه يهدى من يشاء ، وله الحكمة البالغة ، والعلم الكامل بخفيات القلوب ؛ وبذات الصدور ، وهو أعلم بمن عنده الاستعداد للهداية والخير ، فيهديه ويوفقه ، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبى طالب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والكل يعلم أنه كان يحوط النبي ويرعاه ، ويحبه حبا شديدا ويتولاه ، فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان والدخول في الإسلام ؛ فسبق القدر فيه ، ولم يرد اللّه به خيرا ، فاستمر على ما كان عليه من الكفر ، وللّه الحكمة البالغة . وقال بعض المشركين معتذرا بأعذار واهية : إننا إن اتبعنا الهدى الذي جئتنا به ، والنور الذي أنزل معك نخشى إن فعلنا ذلك أن يقصدنا المشركون وأحياء العرب من كل جانب بالأذى والحرب ويأخذونا بسرعة وشدة لا قبل لنا بها ، ألم تر إليهم وقد خافوا المخلوق الضعيف وأمنوا مكر الخالق الكبير ذي البطش الشديد الفعال لما يريد ؟ ! عجبا لهؤلاء ؛ أنسوا ولم يعلموا أن اللّه مكن لهم في الأرض ، وأنزلهم بلادا جعلها حرما آمنا ، يقدسه العرب جميعا ، وتحج إليه ، وتحترم سكانه وأهله وتدين لهم بالإمارة والسيادة عليهم ، فيه أسواقهم واجتماعاتهم ، وفي بلادهم يأمن الخائف ، ويطمئن القاتل وتسكن نفس المعتدى ، فالعرب كانت تحرم الاعتداء في الحرم ، وفي الأشهر الحرم ، وكل هذا بتوفيق اللّه ، وهو الذي جعل في قلوب الناس شوقا إليه وحنينا لزيارته وحجه
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
فكانت فيه الثمرات من كل جهة رخيصة كثيرة ، جعلها اللّه من لدنه رزقا لأهله ، أظن هذا العذر الواهي لا يكون مقبولا بعد هذا كله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون وهذا رد آخر لقولهم :
إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
إذ هم قد اعتقدوا خطأ أنهم ما داموا على شركهم فإنهم في أمن ودعة ، وإن اتبعوا الرسول نزل بهم البلاء ، فبين اللّه لهم أن الأمر بالعكس ، وأنهم إن تركوا الشرك وأسلموا للّه رب العالمين أمنوا من عذاب الدنيا والآخرة ، وكانوا عند اللّه من المقربين ، وإن ظلوا على دينهم وتمسكوا بباطلهم