تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣

المعنى :

هذا لون آخر من ألوان صنعه الباهر ، ومظهر من مظاهر قدرته وألوهيته في الإنسان ، وما يتصل به بعد بيان ذلك في المطر والنبات والحيوان . واللّه خلقكم يا بني آدم ، ولم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وأردئه
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
« 1 » .
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً
« 2 » فمن يكبر في السن حتى يبلغ أرذل العمر يفقد قوة إحساسه وشعوره العام ، بل ويصبح كالطفل من ناحية إدراكه ورغبته في تحقيق ما تصبو إليه نفسه ، ولقد صدق اللّه حيث علل بلوغه أرذل العمر بقوله :
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
من العلم لا كثيرا ولا قليلا بعد علم كان قد حصل له ، أما تحديد أرذل العمر فذلك موكول إلى ظروف الإنسان ، وإن كان الغالب أن يكون بعد الخامسة والستين . وهذا حكم غالبي ففي الحديث ما معناه : « خير الناس من طال عمره وحسن عمله ، وشر الناس من طال عمره وساء عمله » . واللّه فضل بعضكم على بعض في الرزق ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليتخذ بعضكم بعضا سخريا ، ولم يترك اللّه الغنى يعبث بماله حيث شاء ، بل جعل للفقير في ماله حقا معلوما ، وللدولة ممثلة في الحاكم المسلم حق آخر تبعا لظروف الدولة العامة . ومع هذا فما الذين فضلهم اللّه بسعة الرزق على غيرهم برادي رزقهم - الذي أعطاه اللّه لهم بلا سبب - فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم من عبيدهم وإمائهم فالمالكون والمملوكون في الرزق سواء عند اللّه إذ هم أنفقوا من مال جعلهم اللّه خلفاء عليه . ومعنى الآية بالتوضيح أن اللّه فضل بعضا على بعض في الرزق ، وأوجب على الغنى أن يعطى الفقير ، وعلى المالك أن يعطى المملوك ، ومع هذا فلم يعط غنى فقيرا ولم يرد مالك على مملوك رزقا حتى يتساوى معه ، وإنما يردون عليهم شيئا يسيرا ، وندرا قليلا في بعض الأحيان . وهذا مثل ضربه اللّه للناس بمعنى : إذا كنتم لم ترضوا أن يكون خدمكم معكم
هامش
( 1 ) سورة التين الآيتان 4 و 5 . ( 2 ) سورة الروم الآية 54 .
التفسير الواضح — صفحة 323 | محمد محمود حجازي