الشكر له ؟ فعلوا هذا ليكفروا بما آتيناهم من نعمة ، حتى كأن هذا الكفر منهم - الواقع موقع الشكر الواجب عليهم - غرضا لهم ومقصدا انظر إلى قوله :
لِيَكْفُرُوا
وهذا غاية في العتو والفساد ثم قال لهم ربهم على سبيل التهديد : فتمتعوا بما أنتم فيه فسوف تعلمون عاقبة أمركم ونهاية عملكم .
ثم حكى - سبحانه وتعالى - نوعا آخر من قبائحهم فقال : ويجعلون للأصنام التي لا يعلمون حقيقتها نصيبا مما رزقناهم .
أليس عجبا أن يجأر هؤلاء إلى اللّه بالدعاء إذا مسهم الضر ، ثم إذا أزاح عنهم الضر أشركوا به غيره ، ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات أو لما صنعوه بأيديهم نصيبا مما رزقناهم من الأموال يتقربون به إليه . . . تاللّه قسما بذاته العليا لتسألن عما كنتم تفترون وتختلقون من الأكاذيب والضلالات .
وهؤلاء يجعلون للّه البنات وقد كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات اللّه . .
سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ! ولهم ما يشتهون من الذكور
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
[ النجم 21 ] أي : جائرة .
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ . وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
.
[ الصافات 151 و 152 ] .
إن هذا لعجيب ! ! البنات للّه والذكور لهم ! ! وهم يأنفون من البنات ، وإذا بشر أحدهم بالبنت ظل وجهه مسودا ، وظل كئيبا حزينا كاسف البال لأنه بشر بولادة أنثى ، ويظل في حيرة من أمره أيمسك المولود الأنثى على هوان وذل وعار وفقر أم يدسه في التراب ؟ وكانوا يصنعون ذلك في الجاهلية ، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون أن يجعلوه لأنفسهم يجعلونه للّه ؟ ! ! ألا ساء ما يحكمون ! ! لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالحياة الآخرة وما فيها مثل السوء والصفة السوءى التي لا أسوأ منها ، وللّه - سبحانه - المثل الأعلى والكمال المطلق وهو العزيز الحكيم .
وهو الرحمن الرحيم واسع الكرم كثير الحلم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، ولو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ، ويعاقبهم على جرمهم فورا ما ترك على ظهر الأرض من دابة ، ولكنه - جل جلاله - حليم ستار غفور رحيم ، وهو يؤخرهم إلى أجل مسمى عنده فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وعندئذ يأخذ المسئ جزاءه حتما بلا تأخير ولا إمهال .