تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وانظر إلى الملك وعقله حينما علم به قال : ائتوني به ، وحينما أجرى التحقيق وظهرت براءته وطول صبره وقوة جلده وكمال عقله قال : ائتوني به أستخلصه لنفسي ، فلما ناقشه وكلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين . قال يوسف : اجعلني أيها الملك على خزائن الأرض الخاصة بك أتصرف في الأقوات والزرع حتى أنقذ البلاد من شر المجاعة المقبلة التي رأيت رؤياها بالأمس ، ولا تعجب من طلبي هذا إني حفيظ شديد المحافظة خبير عليم بإدارة السياسة المالية والاقتصادية . وهنا نقف . . كيف رضى يوسف أن يتعاون مع الملك ؟ وكيف طلب تعيينه على خزائن الأرض . والجواب عن الأول : أن يوسف قبل العمل مع الملك لأنه رأى فيه العقل وحسن السياسة ، وقد جعله صاحب التصرف في الأمر وفي هذا خير ليوسف ولمصر . وأما طلبه أن يكون واليا على خزائن مصر فلثقته بنفسه وعلمه بأن هذا فيه خير للأمة ، ومن هنا هل لنا أن نقلد يوسف في عمله هذا ؟ ومرجع ذلك ضمير المسلم ودينه فيختار ما فيه خير له ولأمته ولدينه . ومثل ذلك التمكين السابق الذي انتقل يوسف فيه من محنة إلى محنة ومن شدة إلى نعمة ؛ فها هو ذا يوسف في الجب نتيجة لحسد إخوته له ، ثم تأخذه السيارة وتبيعه بيع الرقيق بدراهم معدودة ليذهب إلى بيت العزيز ، ولأمانته ونزاهته جعله العزيز أمينه ، ثم كان موقفه مع امرأة العزيز الذي انتهى به إلى السجن ، ولولا السجن لما اتصل بخادم الملك فيه الذي رفع اسمه وشهر مكانته حتى عرفه الملك واستخلصه لنفسه . فكما مكنا له ذلك ورعيناه حتى وصل إلى ما وصل إليه مكنا له في أرض مصر حتى أصبح الآمر الناهي ، والملك المطاع بعد أن دخلها مملوكا طريدا وعبدا يباع بدراهم قليلة وما ذلك إلا من صبره وجلده وقوة تحمله الشدائد ، ومن أمانته وعفته وخلقه ودينه ، وحسن بصره وتدبيره للأمور ، وارعاء اللّه له في كل طور من أطوار حياته
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
[ سورة الحج آية 38 ] . وها هو ذا يوسف يتبوأ من الأرض وينزل منها حيث شاء ، يصيب برحمته من يشاء من خلقه جزاء لصبرهم وعاقبة لفعلهم ، ولقد صبر يوسف صبرا كثيرا على إخوته ،