الجزية ! انطلقا حتى تفرغا ثم عودا ، ولم يعطهما شيئا ، ثم أقبلا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بصدقة السلمى الذي أعطاهما من خيار ماله ، فلما رآهما النبي مقبلين قال : « يا ويح ثعلبة » ثم دعا للسلمى بالبركة ، فنزلت الآية الكريمة وحينما بلغت ثعلبة عاد إلى رسول اللّه ومعه الصدقة ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه منعني أن أقبل منك »
وهكذا لحق النبي بالرفيق الأعلى ولم يقبلها منه ونهج الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان هذه السيرة ومات ثعلبة في خلافة عثمان .
المعنى :
وبعض المنافقين عاهد اللّه ورسوله لئن أعطاه اللّه مالا كثيرا ليصّدّقن ، ويعطى كل ذي حق حقه . وليكونن من عباد اللّه الصالحين ، فلما آتاه اللّه مالا وأغناه من فضله ، بخل بالمال وشح بالخير ، وأمسك فلم يتصدق بشيء ، وبدل أن يصلح نفسه وأمته بالإنفاق كما عاهد اللّه وأقسم على ذلك ، أعرض عن ذلك وتولى وهو معرض بكل قواه إعراضا راسخا ثابتا ، وهذا طبع في المنافقين لازم لهم راسخ فيهم .
فأعقبهم ذلك البخل وهذا الإعراض نفاقا من النوع العالي الدائم إلى يوم القيامة ، ولا غرابة ؛ فكل معصية وإن صغرت تحجب شيئا من نور الإيمان حتى إذا كثرت المعاصي حجبت جميع النور فأصبح القلب في ظلمات الفساد والعصيان والنفاق غارقا .
كل هذا بسبب ما أخلفوا اللّه وعده ، كما في قصة ثعلبة وأضرابه من المنافقين ، وبما كانوا يكذبون . . . فآية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان « 1 » . صدق رسول اللّه .
ألم يعلم هؤلاء أن اللّه يعلم سرهم ونجواهم ، وأن اللّه علام الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ؟ ! ! فاللّه يعلم كل هذا ، ولكن المنافقين لا يعلمون . .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 1 / 83 ، 84 في الإيمان باب علامات المنافق ومسلم 59 في الإيمان .