تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤

المعنى :

ومثل الذي ذكر من استمتاع أولياء الإنس والجن بعضهم ببعض في الدنيا لأنهم متشابهون ومتحدون في الاتجاه والعمل ، نولي بعض الظالمين بعضا بسبب ما كانوا يكسبون من أعمال الظلم المشتركة بينهم . نولي بعضهم بعضا ، ونجعلهم أنصارا وأولياء لبعض وأصدقاء . فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض ، والكافرون بعضهم أولياء بعض ، وكل يقع على شاكلته ، إذ الأرواح جنود مجندة . وأما ولاية المشركين لبعض فبمقتضى السنن الكونية ، إذ ولايتهم لبعض مترتبة على اتفاقهم في الخلق والعقيدة والمنفعة والتحزب ، مع أن اللّه لم يأمرهم بشيء من ذلك . وفي المأثور قيل : سمعتهم يقولون : إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم ، وكما تكونون يولى عليكم . وعن ابن عباس « إذا رضى اللّه على قوم ولى أمرهم خيارهم ، وإذا سخط على قوم ولى أمرهم شرارهم » فيكون الحاكم وبطانته مثلا في السوء يقلدهم غيرهم فيعم الفساد البلد ، والمعنى : إنا نكل بعض الظالمين إلى بعض ، ونسلطهم على أنفسهم ، وهذا تهديد عام شامل لكل ظالم في الحكم أو غيره ، وقال فضيل بن عياض : « إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبا » . يا معشر الجن والإنس اقرّوا واعترفوا بإرسال الرسل لكم ، وقد قاموا بمهمة الرسالة خير قيام ، يقصون عليكم الآيات ، ويوضحون الحجج والبينات ، وينذرونكم لقاء يومكم هذا ، ويبشرون من آمن باللّه وعمل صالحا بالثواب العظيم ، وينذرون من خالف وعصى بهذا اليوم الشديد وقعه ، البالغ أثره ، وهذه الرسل منكم ، أي : من جنسكم في الخلق والتكليف والمخاطبة ، أي : من مجموعكم . وهنا بحث : هل للجن رسل من أنفسهم كما للإنس ؟ أم الرسل من الإنس فقط ؟ وقوله منكم من باب التغليب ، كقوله :
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
وهما يخرجان من الماء الملح فقط ، أو المراد برسل الجن من كان يستمع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم ينذر قومه بما سمع :
وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
والثابت عن ابن عباس : كانت الرسل تبعث إلى الإنس ، وإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى الجن والإنس ، فقد قال الجن :
إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
[ سورة الأحقاف آية 30 ] .