ولا يتدفق عند قطبيها ، من الذي خلق هذا وقدره ؟ ؟ إنه هو اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد .
الحمد للّه قد جعل الظلمات والنور ! ! وهل الظلمات والنور في المحسوسات أم هما في المعقولات ، أم اللفظ عام للجميع ؟ .
والقرآن الكريم جرى على جمع الظلمات وإفراد النور لأن ظلمات الشرك والكفر أسبابها وأشكالها وألوانها مختلفة وكثيرة ، أما نور الحق والهدى فطريقهما واحد ، وللظلمات الحسية أسباب لأن الظلمة تحصل بحجب النور بالجسم والأجسام مختلفة وكثيرة ، وللنور مصدر واحد وإن اختلف قوة وضعفا ، وشكلا وصورة .
ثم الذين كفروا بعد هذا كله يعدلون بالوحدانية إلى الشرك ، ويجعلون لمن خلق وأوجد وأنشأ وأبدع شريكا مساويا له ؛ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ، أبعد هذا يكون شك في وحدانية اللّه وكماله ؟ ! ! ثم استأنف القرآن كلاما خاطب به المشركين والمعاندين مذكّرا لهم بما هو ألصق بهم ، وهو خلقهم من طين أو من ماء مهين ، فهذا أبونا آدم خلق من طين وها نحن أولاء نتكون من منىّ وبويضة ، وهما من دم الذكر والأنثى ، والدم من الغذاء ، والغذاء من الحيوان والنبات وهما يرجعان إلى الأرض ، وقيل : المعنى : خلق أباكم آدم من طين . ثم ضرب لنا أجلا نعيش به في الدنيا إلى وقت محدود
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ *
« 1 » وهناك أجل آخر مسمى عنده هو أجل الدنيا وانتهاؤها ، ومصيرها إلى الحياة الآخرة لا يعلم به إلا هو ، ولم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
[ سورة الأعراف آية 187 ] .
ثم أنتم بعد هذا تمترون وتشكّون في خلقكم مرة ثانية ، أي : في البعث ؟ فالذي خلق الجنين في بطن أمه من ماء مهين وجعله يتنفس ولو تنفس بالهواء العادي لمات ، وجعله يتغذى بالدم القذر القاتل ، أليست هذه حياة عجيبة ؟ ! ! ! حقا إنها لعجيبة ، والذي أحيانا على هذا الوضع قادر على إحياء الموتى يوم القيامة .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف آية 34 ؛ والنحل 61 ] .