تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
اسمه المسيح الذي جاء فرفع الظلم وأنار لقومه الطريق وحملهم على الأخوة الصادقة وكانت مملكته روحانية لا جسدية ، والمسيح لقب لعيسى ابن مريم من ألقاب المدح ؛ وإنما وصف عيسى بابن مريم مع أن الخطاب معها ؛ تسجيلا لوصفه بهذا في كل وقت وزمان وردّا على من ألّهه من أول الأمر ، ولبيان أنه ولو كان من غير أب فهو منسوب لها تكريما وبيانا لمكانتها وهو ذو وجاهة في الدنيا عند أتباعه والمؤمنين به ، وفي الآخرة عند اللّه من النبيين أولى العزم والرسل المقربين . ومن أوصافه أنه يكلم الناس في المهد رضيعا حتى يدافع عن أمه وعند تمام رجولته ؛ وكلامه تام موزون موفق في كل حال ؛ وهو من الصالحين الذين أنعم اللّه عليهم وأصلح حالهم . ولما بشر اللّه مريم بعيسى الفذ في تكوينه وخلقته الموصوف بما ذكر قالت مريم مستفهمة : أيكون هذا عن طريق الزواج أم لا ؟ ويجوز أنها تكون سألت متعجبة مستعظمة قدرة اللّه القادر على كل شيء كيف يكون لي ولد وأنا لم أتزوج ؟ قال تعالى : مثل ذلك الخلق البديع يخلق اللّه ما يشاء وقد خلق الخلق كما ترى وخلق السماء والأرض وخلق أبانا آدم من تراب بلا أب ولا أم ثم قال له كن فيكون . وانظر إلى بلاغة القرآن حيث عبر في جانب زكريا كذلك يفعل اللّه ما يشاء ، وهنا كذلك يخلق اللّه ما يشاء ؛ للإشارة إلى أن إيجاد ولد من شيخين عجوزين ليس كإيجاد ولد من أم فقط بلا أب فكان الخلق والإبداع أنسب بعيسى من يحيى . ولذلك عقبه ببيان كيفية الخلق فقال : وإذا أراد أمرا من الأمور قال له كن فيكون والمراد بالأمر هنا الأمر التكويني لا الأمر التكليفي كما في قوله - تعالى - أقيموا الصلاة ، مثلا . وهذا تمثيل لعظمة اللّه ونفاذ أمره وسرعة إنجازه ما يريد حيث شبه حدوث ما يريد عند تعلق إرادته به حالا بطاعة المأمور القادر على الفعل للأمر المطاع ، ومما يشبه هذا قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
أي : أراد أن يكون فكانتا .