سبب النزول :
روى أنهم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أي دين أنت ؟ فقال : على ملة إبراهيم - عليه السلام - قالوا : إن إبراهيم كان يهوديا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها ، فأبوا ،
وقيل : نزلت في حكم الزنى ، وقد اختلفوا لما زنى بعض أشرافهم واحتكموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فحكّم التوراة فأبوا ، وقيل اختلف أحبارهم لما أسلم البعض وظل البعض على دينه واحتكموا إلى التوراة ثم أعرض من لم يسلم منهم ، والوقائع تؤيد ذلك كله .
المعنى :
انظر يا محمد وأعجب من هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من التوراة والباقي قد حرف وغيّر وضاع ، وقد بقي الجزء الذي فيه بشارة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتعجب من عدم إيمانهم بك مع وضوح الدلالة وإعراضهم عن الكتاب الذي يؤمنون به ، أو يعرضون عن القرآن ، فهم إذا اختلفوا وحكموا التوراة في الخلاف وعلموا أن الحكم فيها على خلاف أهوائهم أعرضوا وتولوا بعد تردد .
وفي التعبير ب
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
إشارة إلى أنهم كانوا يترددون في قبول الحكم ثم يعرضون ، وإلى بعد ما بين دعوتهم إلى كتاب اللّه وإعراضهم عنه ؛ وقوله تعالى :
وَهُمْ مُعْرِضُونَ
إشارة إلى دوام إعراضهم ، وأنه ديدن لهم وطبيعة فيهم ، وفي قوله :
فَرِيقٌ مِنْهُمْ
إشارة إلى أن منهم أمة يهدون بالحق وبه يهتدون كعبد اللّه بن سلام وغيره ، وما شجعهم على هذا العناد والجحود إلا اعتقادهم الباطل أنهم لا تصيبهم النار إلا أياما قليلة ، فاليهودي يعتقد أنه مهما فعل لا يدخل النار إلا أياما وبعدها يدخل الجنة ، وغرهم ما كانوا يختلقونه في الدين كقولهم : إن الأنبياء ستشفع لنا ونحن أولاد الأنبياء وشعب اللّه المختار ، ولقد رد اللّه عليهم فريتهم في غير موضع من القرآن .
فكيف بهم وعلى أي شكل يكونون إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ؟ يوم تنقطع فيه الأنساب ولا ينفع فيه مال ولا بنون ، يوم توضع فيه الموازين القسط فلا تظلم نفس شيئا وتوفى كل نفس ما كسبت من خير أو شر وهم لا يظلمون .