بعض ما وعد اللَّه المؤمنين والمتقين من النعم الخالدة والثواب الجزيل ، عسى أن يرعوي الإنسان ويتبع طريق الحق من خلال مقايسته لما يعيشه كل من الفريقين ، على ضوء تفكيره بمصيره الأبدي . فيقول مبتدءً الحديث : « إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا » .
ومن مفردات الفوز والسعادة : « حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا » .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله في خصوص العنب أنّه قال : « خير فواكهكم العنب » .
ويتطرق القرآن إلى نعمة أخرى ممّا وعد اللَّه به المتقين في الجنة ، فيقول : « وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا » .
« الكواعب » : جمع « كاعب » ، وهي البنت حديثة الثدي ، للإشارة إلى شباب زوجات المتقين في الجنة ؛ و « الأتراب » : جمع « ترب » ، ويطلق على مجموعة الأفراد المتساوين في العمر . قيل : إنّها من « الترائب » وهي : أضلاع الصدر ، وذلك لما بينهما من شبه من حيث التساوي والتماثل .
وتأتي النعمة الرابعة : « وَكَأْسًا دِهَاقًا » .
وهو مُذك للعقل ، منشط للروح ومنعش للقلب .
ودفعاً لما يتبادر إلى الأذهان من تبعات شراب الدنيا الشيطاني ، يقول القرآن : « لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا » .
فالجنة خالية من : الأكاذيب ، الهذيان ، التهم ، الافتراءات ، تبرير الباطل ، بل وكل ما كان يؤذي قلوب المتقين في الحياة الدنيا . . إنّها الجنة ! وخير تصوير لها ما جاء في الآية ( 62 ) من سورة مريم : « لَّايَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلمًا » .
وفي آخر المطاف يذكر القرآن الكريم تلك النعمة المعنوية التي تفوق كل النعم علوّاً :
« جَزَاءً مِن رَبّكَ عَطَاءً حِسَابًا » .
وأيّة بشارة ونعمة أسمى وأجل ، من أن أكون وأنا العبد الضعيف ، موضع ألطاف وإكرام اللَّه جلّ وعلا .
وفي آخر آية من الآيات المبحوثة ، يضيف : « رَّبّ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ » .
وبما أنّ صفة « الرحمن » تشمل رحمة اللَّه العامّة لكل خلقه ، فيمكن حمل إشارة الآية إلى أنّ اللَّه تبارك وتعالى يشمل برحمته أهل السماوات والأرض في الحياة الدنيا ، إضافة لما وعد به المؤمنين من عطاء دائم في الجنة .
وذيل الآية يقول : « لَايَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا » .
مختصر الامثل — صفحة 359
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥٩