تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
فأنزل اللَّه تعالى « يَا أَيُّهَا الْمُدَّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ » « 1 » . التّفسير قم وانذر الناس : لا شك من أنّ المخاطب في هذه الآيات هو النبي صلى الله عليه وآله وإن لم يصرح باسمه ، ولكن القرائن تشير إلى ذلك ، فيقول أوّلًا : « يَا أَيُّهَا الْمُدَّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ » . فلقد ولى زمن النوم والاستراحة ، وحان زمن النهوض والتبليغ . ثم يعطي للنبي صلى الله عليه وآله خمسة أوامر مهمة بعد الدعوة إلى القيام والإنذار ، تعتبر منهاجاً يحتذي به الآخرون ، والأمر الأوّل هو في التوحيد ، فيقول : « وَرَبَّكَ فَكَبّرْ » . ذكر كلمة ( ربّ ) وتقديمها على ( كبّر ) الذي هو يدل على الحصر ، فليس المراد من جملة « فكبّر » هو ( اللَّه أكبر ) فقط ، مع أنّ هذا القول هو من مصاديق التكبير كما ورد في الروايات ، بل المراد منه أنسب ربّك إلى الكبرياء والعظمة اعتقاداً وعملًا ، قولًا فعلًا وهو تنزيهه تعالى من كل نقص وعيب ، ووصفه بأوصاف الجمال ، بل هو أكبر من أن يوصف ، ولذا ورد في الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في معنى اللَّه أكبر : « اللَّه أكبر من أن يوصف » . ثم صدر الأمر الثاني بعد مسألة التوحيد ، ويدور حول الطهارة من الدنس فيضيف : « وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ » . التعبير بالثوب قد يكون كناية عن عمل الإنسان ، لأنّ عمل الإنسان بمنزلة لباسه ، وظاهره مبين لباطنه . ويمكن أن يكون المعنى هو اللباس الظاهر ، لأنّ نظافة اللباس دليل على حسن التربية والثقافة ، خصوصاً في عصر الجاهلية حيث كان الإجتناب من النجاسة قليلًا وإنّ ملابسهم وسخة غالباً ، وكان الشائع عندهم تطويل أطراف الملابس بحيث كان يُسحل على الأرض ، وما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى أنّه : « ثيابك فقصر » « 2 » ، ناظر إلى هذا المعنى . والحقيقة أنّ الآية تشير إلى أنّ القادة الإلهيين يمكنهم إبلاغ الرسالة عند طهارة جوانبهم من الأدران وسلامة تقواهم ، ولذا يستتبع أمر إبلاغ الرسالة والقيام بها أمر آخر ، هو النقاء والطهارة . ويبيّن تعالى الأمر الثالث بقوله : « وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير 30 / 189 . ( 2 ) تفسير مجمع البيان 10 / 175 .
مختصر الامثل — صفحة 305 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي