تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وكنّا في السابق نسترق السمع من السماء ونحصل على أخبار الغيب ونوصلها إلى أصدقائنا من الإنس ولكنّنا منعنا من ذلك الآن : « وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا » . أليس هذا الوضع الجديد دليل على حقيقة التغيير العظيم الحاصل في العالم عند ظهور الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وكتاب اللَّه السماوي ، لماذا كانت لكم القدرة على استراق السمع والآن سلبت منكم هذه القدرة ؟ أليس معنى هذا انتهاء عصر الشيطنة والكهانة والخداع ، وانتهاء ظلمة الجهل بشروق شمس الوحي والنبوّة . ثم قالوا : « وَأَنَّا لَانَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدُ بِمَن فِى الْأَرْضِ أَم أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا » . أي : مع كل هذا فإنّنا لا ندري أكان هذا المنع من استراق السمع دليل على مكيدة تراد بأهل الأرض ، أم أراد اللَّه بذلك المنع أن يهديهم ، وبعبارة أخرى أنّنا لا ندري هل هذا هو مقدمة لنزول البلاء والعذاب من اللَّه ، أم مقدمة لهدايتهم ، ولكن لا يخفى على مؤمني الجن أنّ المنع من استراق السمع الذي تزامن مع ظهور نبيّنا الأكرم صلى الله عليه وآله هو مقدمة لهداية البشرية ، وانحلال جهاز الكهانة والخرافات الأخرى ، وليس هذا إلّاانتهاءً لعصر الظلام ، وابتداء عصر النور . ومع هذا ، فإنّ الجن ولعلاقتهم الخاصة بمسألة استراق السمع لم يكونوا يصدقون بما في ذلك المنع من خير وبركة ، وإلّا فمن الواضح أنّ الكهنة في العصر الجاهلي كانوا يستغلون هذا العمل في تضليل الناس . وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً ( 11 ) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ( 12 ) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً ( 13 ) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 ) في هذه الآيات يستمر مؤمنو الجن في حديثهم وهم يبلغون قومهم الضالين فيقولون : « وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا » . ويحتمل أن يكون المراد من قولهم هذا هو أنّ وجود إبليس فيما بينهم قد أوجد شبهة لبعضهم ، بأنّ الجن متطبّع على الشرّ والفساد والشيطنة ، ومحال أن يشرق نور الهداية في قلوبهم .