تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
ملاحظة المقام السامي للعقل : ليست هذه هي المرّة الأولى التي يشير فيها القرآن الكريم إلى مقام العقل السامي ، كما أنّها ليست المرّة الأولى التي يصرّح فيها بأنّ العامل الأساسي لتعاسة الإنسان ودخوله عوالم الخسران والضياع والعاقبة التعيسة ، وسقوطه وفي وحل الذنوب وجهنم . . . هو عدم الاستفادة من هذه القوة الإلهية العظيمة ، وإغفال هذه القدرة الجبارة ، وعدم استثمار هذه الجوهرة والنعمة الربانية . فإنّ الإسلام قد وضع أساس معرفة اللَّه تعالى وسلوك طريق السعادة والنجاة ، ضمن مسؤولية العقل . لذا فإنّ القرآن الكريم يوجّه نداءاته بصورة مستمرّة وفي كل مكان إلى ( أولوا الألباب ) و ( أولوا الأبصار ) وأصحاب الفكر من العلماء والمتعمّقين في شؤون المعرفة . في الكافي عن الإمام علي عليه السلام قال : « هبط جبرئيل على آدم عليه السلام ، فقال : يا آدم ! إنّي أمرت أن اخيّرك واحدة من ثلاث فاخترها ودع اثنين ، فقال له آدم : يا جبرئيل وما الثلاث ؟ فقال : العقل والحياء والدين . فقال آدم : إنّي قد اخترت العقل ، فقال جبرئيل للحياء والدين : انصرفا ودعاه . فقالا : يا جبرئيل ، إنّا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان ، قال : فشأنكما وعرج » . إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 12 ) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) بعد ما بيّنا - في الأبحاث التي تناولتها الآيات السابقة - مصير الكفار يوم القيامة ، فإنّ القرآن الكريم يتناول في الآيات مورد البحث حالة المؤمنين وجزاءهم العظيم عند اللَّه سبحانه . . يقول في البداية : « إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ » . « الغيب » هنا إشارة لمعرفة اللَّه تعالى غير المرئية ، أو الإشارة إلى المعاد غير المشاهد ، أو يقصد به الأمران معاً . كما يحتمل أن يكون إشارة إلى الخوف من اللَّه تعالى بسبب ما عمل الإنسان من خطايا وذنوب في السرّ ، ذلك أنّ الإنسان إذا لم يقترف ذنوباً في السرّ ، فإنّه لن يجرأ عليها في العلانية . ويحتمل أن يكون هذا التعبير إشارة إلى خلوص النيّة في الابتعاد عن الذنوب والمعاصي ، والالتزام بالأوامر الإلهية ، إذ إنّ العمل السرّي يكون أبعد عن الرياء . كما لا مانع من الجمع بين هذه الآراء .
مختصر الامثل — صفحة 222 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي