تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
ومرّة أخرى يشير القرآن إلى اتّهام آخر - من اتهاماتهم - الذي يعدّ الرابع في سلسلة اتّهاماتهم فيقول : « أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّايُؤْمِنُونَ » . « تقوّله » : مشتق من مادة تقوّل - على وزن تكلّف - ومعناه الكلام الذي يفتعله الإنسان بينه وبين نفسه دون أن يكون له واقع . إنّ القرآن يردّ عليهم ردّاً يدحرهم ويتحدّاهم متهكماً فيقول : « فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ » . فأنتم أناس مثله ولديكم العقل والقدرة على البيان والاطلاع والخبرة على أنواع الكلام فلِمَ لا يأتي مفكّروكم وخطباءكم وفصحاءكم بمثل هذا الكلام . وجملة « فليأتوا » أمر تعجيزي ، والهدف منه بيان عجزهم وعدم قدرتهم على مجاراة القرآن . وهذا ما يعبّر عنه في علم الكلام والعقائد بالتحدّي أي دعوة المخالفين إلى المعارضة والإتيان بالمثل « في مواجهة المعجزات » . فهذه آية من الآيات التي تبيّن إعجاز القرآن بجلاء ، ولا يختصّ مفهومها بمن عاصروا النبي صلى الله عليه وآله بل يشمل جميع الذين يزعمون - بأنّ القرآن كلام بشر ، وأنّه مفترى على اللَّه - على امتداد القرون والأعصار ، فهم مخاطبون بهذه الآية أيضاً . . . أي هاتوا حديثاً مثله إن كنتم تزعمون بأنّه ليس من اللَّه وأنّه كلام بشر . إنّ نداء القرآن في هذه الآية والآيات المشابهة كان عالياً أبداً ، ولم يستطع أي إنسان خلال أربعة عشر قرناً - منذ بعثة النبي صلى الله عليه وآله حتى يومنا هذا - أن يرد بجواب إيجابي . وهذا العجز « العمومي » شاهد حي على أصالة هذا الوحي السماوي . أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ( 37 ) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 38 ) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 ) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 43 ) هذه الآيات تواصل البحث الاستدلالي السابق - كذلك - مع أحد عشر سؤالًا متتابعاً ،
مختصر الامثل — صفحة 585 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي