تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
منها . . . الأوّل هو حكايته عنهم : « بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ » . وبعد إشكالهم الأوّل على نبوّة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وهو كيف يكون النبي بشراً ؟ ! كان لهم إشكال آخر على محتوى دعوته ووضعوا أصابع الدهشة على مسألة أخرى كانت عندهم أمراً غريباً وهي : « أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ » . إنّ القرآن يردّ عليهم بطرق متعددة ؛ فتارةً يشير إلى علم اللَّه الواسع فيقول : « قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ » . إذا كان إشكالكم هو أنّه كيف تجتمع عظام الإنسان النخرة ولحمه الذي صار تراباً ومن يجمعها ؟ ! أو من يعرف عنها شيئاً ؟ ! فجواب ذلك معلوم . . . فاللَّه الذي أحاط بكل شيء علماً يعرف جميع هذه الذرّات ويجمعها متى شاء ، كما أنّ ذرّات الحديد المتناثرة في تلّ من الرمل يمكن جمعها بقطعة من « المغناطيس » فكذلك جمع ذرّات الإنسان أيسر على اللَّه من ذلك . وإذا كان إشكالهم أنّه من يحفظ أعمال الإنسان ليوم المعاد ، فالجواب على ذلك أنّ جميع أعمال الناس في لوح محفوظ ، ولا يضيع أي شيء في هذا العالم ، وكل شيء - حتى أعمالكم - سيظلّ باقياً وإن تغيّر شكله . ثم يردّ القرآن عليهم بجواب آخر ، وفيه منحى نفسي أكثر إذ يقول : « بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقّ لَمَّا جَاءَهُمْ » . أي : إنّهم جحدوا الحق مع علمهم به ، وإلّا فإنّه لا غبار على الحق ، وكما سيتّضح في الآيات المقبلة فإنّهم يرون صورة مصغّرة للمعاد بأعينهم مراراً في هذه الدنيا وليس عندهم مجال للشك والتردد . لذلك فإنّ القرآن يختتم هذه الآية مضيفاً : « فَهُمْ فِى أَمرٍ مَّرِيجٍ » . فلأنّهم كذّبوا الرسالة فهم دائماً في تناقض في القول وحيرة في العمل واضطراب في السلوك . فتارةً يتّهمون النبي بأنّه مجنون أو أنّه شاعر أو كاهن . وتارةً يقولون بأنّه يعلّمه بشر . وهذه الكلمات المتفرقة والمتناقضة تدلّ على أنّهم فهموا الحق ، إلّاأنّهم يتذرّعون بحجج واهية شتّى ، ولذلك لا يقرّون على كلام واحد أبداً . « مريج » : مشتقة من مرج ومعناها الأمر المختلط والمشتبه والمشوش ، ولذلك فقد أطلقوا على الأرض التي تكثر فيها النباتات المختلفة والمتعددة بأنّها « مرج » أو « مرتع » .
مختصر الامثل — صفحة 541 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي