تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
وبما أنّ « التقوى » صفة روحانية وباطنية ينبغي أن تكون قبل كل شيء مستقرّةً في القلب والروح ، وربّما يوجد مدّعون للتقوى كثيرون والمتصفون بها قلة منهم ، فإنّ القرآن يضيف في نهاية الآية قائلًا : « إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » . فاللَّه يعرف المتقين حقّاً وهو مطّلع على درجات تقواهم وخلوص نيّاتهم وطهارتهم وصفائهم ، فهو يكرمهم طبقاً لعلمه ويثيبهم ، وأمّا المدّعون الكذَبَة فإنّه يحاسبهم ويجازيهم على كذبهم أيضاً . بحثان 1 - القيم الحقّة والقيم الباطلة : لا شك أنّ كل إنسان يرغب بفطرته أن يكون ذا قيمة وافتخار ، ولذلك فهو يسعى بجميع وجوده لكسب القيم . . . إلّا أنّ معرفة معيار القيم يختلف باختلاف الثقافات تماماً ، وربّما أخذت القيم الكاذبة مكاناً بارزاً ولم تُبق للقيم الحقّة مكان في قاموس الثقافة للفرد . فجماعة ترى بأنّ قيمتها الواقعية في الانتساب إلى القبيلة المعروفة . وكان الاهتمام بالقبيلة والافتخار بالانتساب إليها من أكثر الأمور الوهميّة رواجاً في الجاهلية إلى درجة كانت كل قبيلة تعدّ نفسها أشرف من القبيلة الأخرى ، ومن المؤسف أن نجد رواسب هذه الجاهلية في أعماق نفوس الكثيرين من الأفراد والمجتمعات ! وجماعة أخرى تعوّل على مسألة المال والثروة وامتلاكها للقصور والخدم والحشم وأمثال هذه الأمور ، فتعدّها دليلًا على القيمة الشخصية وتسعى من أجل كل ذلك دائماً . وهكذا تخطو كل جماعة في طريق خاص وتنشدّ قلوبها إلى قيمة معينة وتعدّها معيارها الشخصي . وبما أنّ هذه الأمور جميعها أمور متزلزلة ومسائل ذاتية ومادية وعابرة فإنّ مبدأً سماوياً كمبدأ الإسلام لا يمكنه أن يوافق عليها أبداً . . لذلك يشطب عليها بعلامة البطلان ويعتبر القيمة الحقيقية للإنسان في صفاته الذاتية وخاصة تقواه وطهارة قلبه والتزامه الديني . حتى أنّه لا يكترث بموضوعات مهمة كالعلم والثقافة إذا لم تكن في خطّ « الإيمان والتقوى والقيم الأخلاقية » . . . في الدرّ المنثور عن جابر بن عبداللَّه قال : خطبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال : « يا أيّها الناس ! ألا إنّ ربّكم واحد وإنّ أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على
مختصر الامثل — صفحة 534 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي