تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
وأوحى اللَّه تعالى موسى عليه السلام : « من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ، ومن مات مصرّاً عليه فهو أوّل من يدخل النار » « 1 » . في الكافي : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه » . إنّ هذه التأكيدات والعبارات المثيرة إنّما هي للأهمية القصوى التي يوليها الإسلام لصون ماء الوجه وحيثية المؤمنين الاجتماعية ، وكذلك للأثر المخرّب - الذي تتركه الغيبة - في وحدة المجتمع والاعتماد المتبادل في القلوب . يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) التقوى أغلى القيم الإنسانية : كان الخطاب في الآيات السابقة موجّهاً للمؤمنين وكان بصيغة : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا » ، وقد نهى الذكر الحكيم في آيات متعددة عمّا يوقع المجتمع الإسلامي في خطر ، وتكلّم في جوانب من ذلك . في حين أنّ الآية محل البحث تخاطب جميع الناس وتبيّن أهم أصل يضمن النظم والثبات ، وتميّز الميزان الواقعي للقيم الإنسانية عن القيم الكاذبة والمغريات الباطلة . فتقول : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا » . والمراد ب « خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى » هو أصل الخلقة وعودة أنساب الناس إلى « آدم وحواء » ، فطالما كان الجميع من أصل واحد فلا ينبغي أن تفتخر قبيلة على أخرى من حيث النسب ، وإذا كان اللَّه سبحانه قد خلق كل قبيلة وأولاها خصائص ووظائف معيّنة فإنّما ذلك لحفظ نظم حياة الناس الاجتماعية . إنّ القرآن بعد أن ينبذ أكبر معيار للمفاخرة والمباهات في العصر الجاهلي ويُلغي التفاضل بالأنساب والقبائل يتّجه نحو المعيار الواقعي القيم ، فيضيف قائلًا : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقكُمْ » . وهكذا فإنّ القرآن يشطب بالقلم الأحمر على جميع الامتيازات الظاهرية والمادية ، ويعطي الأصالة والواقعية لمسألة التقوى والخوف من اللَّه ، ويقول إنّه لا شيء أفضل من التقوى في سبيل التقرب إلى اللَّه وساحة قدسه .
هامش
( 1 ) المحجّة البيضاء في تهذيب الاحياء 5 / 252 .