تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
يجب الحزم في ساحة الحرب : إنّ الآيات السابقة كانت مقدمة لتهيئة المسلمين من أجل إصدار أمر حربي مهم ذكر في الآيات مورد البحث ، فتقول الآية : « فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرّقَابِ » . من البديهي أنّ « ضرب الرقاب » كناية عن القتل ، فإنّ الهدف هو دحر العدو والقضاء عليه ، ولما كان ضرب الرقاب أوضح مصداق له ، فقد أكّدت الآية عليه . فإنّ هذا الحكم مرتبط بساحة القتال ، لأنّ « لقيتم » - من مادة اللقاء - تعني الحرب والقتال في مثل هذه الموارد . ثم تضيف الآية : « حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ » . « أثخنتموهم » : من مادة « ثخن » ، بمعنى الغلظة والصلابة ، ولهذا تطلق على النصر والغلبة الواضحة ، والسيطرة الكاملة على العدو . فإنّ الآية المذكورة تبيّن تعليماً عسكرياً دقيقاً ، وهو أنّه يجب أن لا يُقدم على أسر الأسرى قبل تحطيم صفوف العدو والقضاء على آخر حصن لمقاومته ، لأنّ الإقدام على الأسر قد يكون سبباً في تزلزل وضع المسلمين في الحرب ، وسيعيق المسلمين الاهتمام بأمر الأسرى ونقلهم إلى خلف الجبهات عن أداء واجبهم الأساسي . وتبيّن الجملة التالية حكم أسرى الحرب الذي يجب أن يقام بحقّهم بعد انتهاء الحرب ، فتقول : « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً » . وعلى هذا لا يمكن قتل الأسير الحربي بعد انتهاء الحرب ، بل إنّ ولي أمر المسلمين - طبقاً للمصلحة التي يراها - يطلق سراحهم مقابل عوض أحياناً ، وبلا عوض أحياناً أخرى ، وهذا العوض - في الحقيقة - نوع من الغرامة الحربية التي يجب أن يدفعها العدو . طبعاً يوجد حكم ثالث في الإسلام فيما يتعلق بهذا الموضوع ، وهو استعباد الأسرى ، إلّا أنّه ليس أمراً واجباً ، بل هو راجع إلى ولي أمر المسلمين ينفّذه عندما يراه ضرورة في ظروف خاصة ، ولعلّه لم يرد في القرآن بصراحة لهذا السبب ، بل بيّنته الرّوايات الإسلامية فقط . ثم تضيف الآية بعد ذلك : « حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا » . فلا تكفوا عن القتال حتى تحطّموا قوى العدو ويصبح عاجزاً عن مواجهتكم ، وعندها سيخمد لهيب الحرب . ثم تضيف الآية : « ذلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ » . بالصواعق السماوية ، والزلازل ،
مختصر الامثل — صفحة 480 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي