تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ » . والمراد من « بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا » هم الملائكة الذين كانوا يعتبرونهم بنات اللَّه ، وكانوا يعتقدون في الوقت نفسه أنّها آلهتهم ، وأنّها شبيهة به - سبحانه - ومثله . إنّ لفظة ( كظيم ) من مادة « كظْم » ، وتعني الحلقوم ، وجاءت أيضاً بمعنى غلق فم قربة الماء بعد امتلائها ، ولذلك فإنّ هذه الكلمة استعملت للتعبير عمّن امتلأ قلبه غضباً أو غمّاً وحزناً ، وهذا التعبير يحكي جيّداً عن خرافة تفكير المشركين البله في عصر الجاهليّة فيما يتعلق بولادة البنت ، وكيف أنّهم كانوا يحزنون ويغتمّون عند سماعهم بولادة بنت لهم ، إلّا أنّهم في الوقت نفسه كانوا يعتقدون بأنّ الملائكة بنات اللَّه سبحانه . وتضيف في الآية الكريمة : « أَوَمَن يُنَشَّؤُا فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ » « 1 » . لقد ذكر القرآن هنا صفتين من صفات النساء غالباً ، تنبعثان من ينبوع عاطفتهن ، إحداهما : تعلّق النساء الشديد بأدوات الزينة ، والأخرى : عدم إمتلاكهن القدرة الكافية على إثبات مرادهن أثناء المخاصمة والجدال لحيائهن وخجلهنّ . وتذكر الآية الأخيرة - من هذه الآيات - هذا المطلب بصراحة أكثر ، فتقول : « وَجَعَلُوا الْمَلِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثًا » . ثم تجيبهم الآية بصيغة الاستفهام الإنكاري فتقول : « أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ » . وتضيف في النهاية : « سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسَلُونَ » . وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 ) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 ) لا دليل لهم سوى تقليد الآباء الجاهلين : أعطت الآيات السابقة أوّل جواب منطقي على عقيدة عبدة الأوثان الخرافيّة ، حيث كانوا يظنون أنّ الملائكة بنات اللَّه ، وتتابع هذه الآيات نفس الموضوع ، وتسلك مسالك أخرى لإبطال هذه الخرافة القبيحة ، فتتعرض أوّلًا لأحد الأدلّة الواهية لهؤلاء ثم تجيب عليه فتقول : « وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرّحْمنُ مَا عَبَدْنَاهُم » .
هامش
( 1 ) « ينشّؤا » : من مادة « الإنشاء » ، أي إيجاد الشيء ، وهنا بمعنى تربية الشيء وتنميته ؛ و « الحلية » : تعني الزينة ؛ و « الخصام » : هو المجادلة والنزاع على شيء ما .
مختصر الامثل — صفحة 403 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي