تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
فهذه هي مسؤولية الخالق في توضيح الحق وفضح الباطل وفقاً لحكمته ، وإلّا فكيف يسمح لشخص بالكذب عليه وفي نفس الوقت ينصره ويظهر على يديه المعاجز ؟ كما أنّ من الأخطاء الكبيرة أن يتصور بعض المشركين قيام الرسول صلى الله عليه وآله بهذا العمل مخفياً ذلك عن علم الخالق : « إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ » . وبما أنّ الخالق يبقي طريق الرجعة مفتوحاً أمام العباد ، لذا فإنّ الآيات القرآنية بعد ذم أعمال المشركين والمذنبين القبيحة تشير إلى أنّ الأبواب التوبة مفتوحة دائماً ، ولذا تقول الآية محل البحث : « وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيّئَاتِ » . إلّا أنّكم إذا تظاهرتم بالتوبة وأخفيتم أعمالًا أخرى ، فلا تتصوروا أنّ ذلك يخفى عن علم الخالق ، لأنّه : « وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ » . أمّا آخر آية فتوضّح الجزاء العظيم للمؤمنين ، والعذاب الأليم للكافرين في جمل قصيرة فتقول : إنّ اللَّه تعالى يستجيب لدعاء المؤمنين وطلباتهم : « وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ » . بل : « وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ » . وسوف يعطيهم ما لم يطلبوا : « وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ » . هذه السورة ( سورة الشّورى ) من السور المكية إلّاأنّ بعض المفسرين يعتقدون أنّ هذه الآيات الأربع ( 23 - 26 ) نزلت في المدينة ، وسبب النزول الذي ذكرناه في بداية تفسير هذه الآيات يشهد على هذا المعنى . وأيضاً فإنّ الروايات التي تفسّر أهل البيت بعليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين عليهم السلام تناسب هذا المعنى ، لأنّنا نعلم أنّ زواج علي من سيدة النساء عليهما السلام تمّ في المدينة ، وولادة الحسن والحسين عليهما السلام كانتا في العام الثالث والرابع الهجري على ما رواه المؤرخون . وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( 28 ) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ( 29 ) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( 31 )
مختصر الامثل — صفحة 384 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي