تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
وأيضاً : « وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى » . وبهذا الشكل فما كان موجوداً في شرائع جميع الأنبياء موجود في شريعتك أيضاً . لذا ، وكتعليمات عامّة لجميع الأنبياء العظام ، تقول الآية في الجملة الأخرى : « أَنْ أَقِيمُوا الدّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ » . وبعد ذلك تقول : « كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ » . فلقد تطبّع هؤلاء على الشرك وعبادة الأصنام بسبب الجهل والتعصّب لسنين طويلة ، وعشعش ذلك في أعماقهم بحيث أصبحت الدعوة إلى التوحيد تخيفهم وتوحشهم . وكما أنّ انتخاب الأنبياء بيد الخالق ، كذلك فإنّ هداية الناس بيده أيضاً : « اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ » . لقد أشارت هذه الآية إلى خمسة من الأنبياء الإلهيين فقط ( نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد عليهم السلام ) لأنّ هؤلاء الخمسة هم الأنبياء أولوا العزم ، أي أصحاب الدين والشرائع ، وفي الحقيقة فإنّ الآية تشير إلى انحصار الشريعة بهؤلاء الخمسة من الأنبياء . وبما أنّ أحد أركان دعوة الأنبياء من أولى العزم هو عدم التفرّق في الدين ، فقد كانوا يدعون لذلك حتماً ، لذا فقد يطرح هذا السؤال : ما هو أساس كل هذه الاختلافات المذهبية ؟ وقد أجابت الآية الأخرى على هذا السؤال وذكرت أساس الاختلافات الدينية بأنّه : « وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ » . وبهذا الترتيب فإنّ أساس التفرّق في الدين لم يكن الجهل ، بل كان الظلم والبغي والانحراف عن الحق ، والأهواء والآراء الشخصية . « فالعلماء الذين يطلبون الدنيا » و « الحاقدون من الناس والمتعصبون » إتحدوا معاً لزرع هذه الاختلافات . وتعتبر هذه الآية ردّاً واضحاً على الذين يقولون بأنّ الدين أوجد الاختلاف بين البشر ، وأدّى إلى إراقة دماء كثيرة على مدى التاريخ . ثم يضيف القرآن الكريم : « وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ » . حيث يهلك أتباع الباطل وينصر أتباع الحق . فالدنيا هي محل الاختبار والتربية والتكامل ، ولا يحصل هذا بدون حرية العمل ، وهذا