تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
سبب النّزول الكثير من المفسرين قالوا : إنّ مشركي قريش كانوا يخوّفون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من آلهتهم ويحذّرونه من غضبها على أثر وصفه تلك الأوثان بأوصاف مزرية ، ويوعدونه بأنّه إن لم يسكت عنها فستصيبه بالأذى ، وللرد على كلامهم نزلت الآية المذكورة أعلاه . التّفسير إنّ اللَّه كاف : تتمة لتهديدات الباريء عزّ وجل التي وردت في الآيات السابقة للمشركين ، والوعد لأنبيائه . تتطرق الآية الأولى في بحثنا لتهديد الكفار : « أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ » . إنّ قدرة الباريء عزّ وجل أقوى وأعظم من كل القدرات الأخرى ، وهو الذي يعلم بكل احتياجات ومشكلات عباده ، والذي هو رحيم بهم غاية الرحمة واللطف ، كيف يترك عباده المؤمنين لوحدهم أمام أعاصير الحوادث وعدوان بعض الأعداء ! إنّ في هذه الآية بشرى لكل السائرين في طريق الحق والمؤمنين الحقيقيين ، خاصة أولئك الذين يعيشون أقلية في بعض المجتمعات ، والمحاطين بمختلف أشكال التهديد من كل جانب . وكتتمة للآية السابقة ، تشير الآية التالية إلى مسألة ( الهداية ) و ( الضلالة ) وتقسّم الناس إلى قسمين : ( ضالين ) و ( مهتدين ) وكل هذا من اللَّه سبحانه وتعالى ، كي تبيّن أنّ جميع العباد محتاجون لرحمته ، ومن دون إرادته لا يحدث شيء في هذا العالم . قال تعالى : « وَمَن يُظْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ » . « وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ » . ومن البديهي أنّ الضلالة لا تأتي من دون سبب ، وكذلك الهداية بل إنّ كل حالة منهما هي استمرار لإرادة الإنسان وجهوده . وما أشدّ جهل الذين فصلوا بين مثل هذه الآيات وبقية آيات القرآن واعتبروها شاهداً على ما ورد في المذهب الجبري ، وكأنّهم لا يعلمون أنّ آيات القرآن تفسّر إحداها الأخرى ، بل إنّ القرآن الكريم يقول في نهاية هذه الآية : « أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى انتِقَامٍ » . وهو خير شاهد على هذا المعنى . وكما هو معروف فإنّ الانتقام الإلهي هو بمعنى الجزاء على الأعمال المنكرة التي اقترفها الإنسان ، وهذا يشير إلى أنّ إضلاله سبحانه وتعالى للإنسان هو بحدّ ذاته نوع من أنواع
مختصر الامثل — صفحة 279 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي