تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وهنا اقتضت مشيئة اللَّه سبحانه - بدلائل سنشير إليها - أن يستجيب اللَّه لطلب إبليس ، ولكن هذه الاستجابة كانت مشروطة وليست مطلقة ، كما توضّحه الآية التالية : « قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ » . ولكن ليس إلى يوم البعث الذي تبعث فيه الخلائق ، وإنّما إلى زمان معلوم . قال تعالى : « إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » . وهذا إشارة إلى يوم نهاية العالم ، لأنّ كل الموجودات الحيّة في ذلك اليوم تموت ، وتبقى ذات اللَّه المقدسة فقط ، كما ورد في الآية ( 88 ) من سورة القصص : « كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » . هنا كشف إبليس عما كان يضمره في داخله ، وعن الهدف الحقيقي لطلبه البقاء خالداً إلى زمن معيّن إذ : « قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » . القسم بالعزّة تبيّن أنّه مصمّم بصورة جديّة على المضي في عمله ، وأنّه سيبقى إلى آخر لحظة من عمره ثابتاً على عهده بإغواء بني آدم . وبعد قسمه انتبه إبليس إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ هناك مجموعة من عباد اللَّه المخلصين لا يمكن كسبهم بأي طريقة إلى داخل منطقة نفوذه ، لذلك اعترف بعجزه في كسب أولئك فقال : « إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » . أولئك الذين يسيرون في طريق المعرفة والعبودية لك بصدق وإخلاص وصفاء ، إنّك دعوتهم إليك ، وأخلصتهم لك ، وجعلتهم في منطقة أمنك . سؤال : لماذا تمّت الباريء عزّ وجل الموافقة على طلب إبليس في البقاء حيّاً ؟ في الجواب نقول : إنّ عالم الدنيا هذا هو ساحة للإختبار والامتحان ( الاختبار الذي هو وسيلة لتربية وتكامل الإنسان ) وكما هو معروف فإنّ الاختبار لا يتمّ من دون مواجهة عدو شرس ومجابهة مختلف أنواع الأعاصير والمشاكل . وبالطبع ، إن لم يكن هناك شيطان ، فإنّ هوى النفس ووساوسها هي التي تضع الإنسان في بودقة الاختبار ، ولكن حرارة هذه البودقة تزداد بوجود الشيطان ، لأنّ الشيطان سيكون في هذه الحالة العامل الخارجي المؤثّر على الإنسان ، وهوى النفس والوساوس ستكون العامل الداخلي .