تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ألم يحن الوقت الذي تتركون فيه هذه الخرافات والأوهام القبيحة والتافهة ؟ « أَفَلَا تَذَكَّرُونَ » . إذن أنّ هذا الكلام باطل من الأساس بحيث لو أنّ أي إنسان له ذرّة من عقل ودراية ، ويتفكّر في الأمر جيّداً ، لأدرك بطلان هذه المزاعم . بعد إثبات بطلان إدّعاءاتهم الخرافية بدليل تجريبي وآخر عقلي ، ننتقل إلى الدليل الثالث وهو الدليل النقلي ، حيث يقول القرآن الكريم مخاطباً إيّاهم : لو كان ما تزعمونه صحيحاً لذكرته الكتب السابقة ، فهل يوجد لديكم دليل واضح عليه ، « أَمْ لَكُمْ سُلْطنٌ مُّبِينٌ » . وإذا كنتم صادقين في قولكم فأتوا بذلك الكتاب : « فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ » . هذا القول يشبه بقيّة الأقوال التي يخاطب بها القرآن عبدة الأصنام : « وَجَعَلُوا الْمَلِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ ءَاتَيْنهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ » « 1 » . الآية اللاحقة تطرّقت إلى خرافة أخرى من خرافات مشركي العرب ، والتي تزعم بوجود نسبة بين اللَّه عزّ وجل والجن ، فالآية هنا تخاطبهم بضمير الغائب ، لأنّهم أناس تافهون ، ولا تتوفّر فيهم الكفاءة واللياقة للردّ على زعمهم : « وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَبًا » . والمراد من كلمة ( نسب ) كل أشكال الرابطة والعلاقة ، حتى ولو لم يكن هناك أي صلة للقرابة فيها ، وكما نعلم فإنّ مجموعة من المشركين العرب كانوا يعبدون الجن ويزعمون أنّها شركاء للَّه ، ولهذا كانوا يقولون بوجود علاقة بينها وبين اللَّه . فالقرآن المجيد ينفي هذه المعتقدات الخرافية بشدة ، ويقول : « وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ » . ونزّه اللَّه تعالى نفسه عمّا قاله أولئك الضالون في صفاته تعالى ، قائلًا : « سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ » . وإستثنى وصف عباده المخلصين ( الذين وصفوه عن علم ومعرفة ودراية ) حيث وصفوه بما يليق بذاته المقدّسة . قال تعالى : « إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ » . العباد الخالصون من كل أشكال الشرك وهوى النفس والجهل والضلال ، والذين لا يصفون الباريء عزّ وجل إلّابما سمح لهم به .
هامش
( 1 ) سورة الزّخرف / 19 - 21 .
مختصر الامثل — صفحة 218 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي