تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
يمكن أن يكون ذلك الغمّ نتيجة استهزاء قومه الكافرين المغرورين به ، وتجريحهم إيّاه بكلمات نابية وساخرة تستهدف إهانته وأتباعه المؤمنين ، أو نتيجة تكذيب قومه اللجوجين إيّاه . ويضيف القرآن الكريم : « وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ » . وإضافةً إلى ذلك يقول القرآن : أنّنا جعلنا لنوح ثناءً وذكراً جميلًا في الأجيال والأمم اللاحقة : « وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْأَخِرِينَ » . فقد وصفه القرآن المجيد بالنبي المقاوم والشجاع والصبور والرحيم والعطوف ، وأطلق عليه لقب شيخ الأنبياء . فبعد تحمّله كافّة الصعاب والآلام ، منحه اللَّه سبحانه وتعالى وساماً خالداً يفتخر به في العالمين « سَلمٌ عَلَى نُوحٍ فِى الْعَالَمِينَ » . ولكي تكون خصوصيات نوح عليه السلام مصدر إشعاع للآخرين ، أضاف القرآن الكريم : « إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ » . و « إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ » . إنّ درجة عبودية نوح للَّه‌وإيمانه به - إضافةً إلى إحسانه وعمله الصالح الذي ذكرته الآيتان الأخيرتان - كانت السبب الرئيسي وراء اللطف الإلهي الذي شمل نوحاً وأنقذه من الغمّ الكبير ، وبعث إليه بالسلام ، السلام الذي يمكن أن يشمل كل من عمل بما عمل به نوح ، لأنّ معايير الألطاف الإلهية لا تتخلّف ، ولا تختّص بشخص دون آخر . أمّا الآية الأخيرة في بحثنا فقد وضّحت بعبارة شديدة اللهجة مصير تلك الامّة الظالمة الشريرة الحاقدة : « ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْأَخَرِينَ » . إذ إنهمر المطر سيلًا من السماء ، وتفجّرت الأرض عيوناً ، وغطّت المياه اليابسة كبحر هائج دكّ بأمواجه المتلاطمة الشامخة عروش الطغاة ودمّرها ، لافظاً إيّاهم بعدئذ أجساداً هامدة لا حياة فيها ولا روح . وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ( 83 ) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 84 ) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا ذَا تَعْبُدُونَ ( 85 ) أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ( 86 ) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 87 ) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 ) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ( 90 ) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَ لَا تَأْكُلُونَ ( 91 ) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ( 92 ) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ( 93 ) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 )
مختصر الامثل — صفحة 201 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي