تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى » . أي : لو أنّهم فكروا جيداً ورجعواإلى عقلهم في الحكم ووجدانهم ، لكانوا يطلعون جيداً على هذين الأمرين : أوّلًا : إنّ العالم خلق على أساس الحق ، وتحكمه أنظمة هي دليل على أنّ الخالق لهذا العالم ذو علم مطلق وقدرة كاملة . وثانياً : هذا العالم يمضي إلى الزوال ، وحيث إنّ الخالق الحكيم لا يمكن أن يخلقه عبثاً ، فيدل ذلك على وجود عالم آخر هو الدار الباقية بعد هذه الدنيا . لذلك يضيف القرآن في نهاية الآية قائلًا : « وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاىِ رَبّهِمْ لَكفِرُونَ » فينكرون لقاء اللَّه ؛ أو إنّهم ينكرون المعاد أصلًا ؛ أو إنّهم لا ينكرون بلسانهم ، لكن أعمالهم « ملوثة » ومخزية تدل على أنّهم غير معتقدين بالمعاد ، إذ لو كانوا يعتقدون بالمعاد لم يكونوا فاسدين أو مفسدين . وحيث إنّ التعبير ب « أَجَلٍ مُّسَمًّى » كاشف عن أنّ هذه الحياة على كل حال لا تدوم ، وهذا إنذار لجميع عبدة الدنيا ، فإنّ القرآن يضيف في الآية التالية قائلًا : « أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ » . أي بالدلائل الواضحات . . . إلّاأنّهم أهملوا ذلك ، ولووا رؤوسهم ، ولم يستسلموا للحق ، فابتلوا بعقاب اللَّه الأليم ، « فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . أمّا آخر آية - من الآيات محل البحث - فتبيّن آخر مرحلة من كفرهم فتقول : « ثُمَّ كَانَ عقِبَةَ الَّذِينَ أَسؤُا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بَايتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ » . أجل ، إنّ الذنب أو الإثم يقع على روح الإنسان كالمرض الخبيث ، فيأكل إيمانه ويعدمه ، ويبلغ الأمر حدّاً يكذب الإنسان فيه آيات اللَّه ، وأبعد من ذلك أيضاً إذ يحمل الذنب صاحبه على الاستهزاء بالأنبياء ، والسخرية بآيات اللَّه ، ويبلغ مرحلة لا ينفع معها وعظ ونصيحة أبداً ، ولا تؤثر فيه أيّة حكمة وأيّة آية ، ولا يبقى طريق سوى أسواط عذاب اللَّه المؤلمة له .
مختصر الامثل — صفحة 567 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي