تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
وبعد ذكر هذه الواقعية ، وهي أنّ الدار الآخرة ليست لمن يحب السلطة والمستكبرين ، بل هي للمتقين المتواضعين وطلبة الحق ، تأتي الآية الثانية لتبيّن قانوناً كلّياً وهو مزيج بين العدالة والتفضل ، ولتذكر ثواب الإحسان . فتقول : « مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا » . وهذه هي مرحلة التفضل ، أي أنّ اللَّه سبحانه لا يحاسب الناس كما يحاسب الإنسان نظيره بعين ضيّقة ، فإذا أراد الإنسان أن يعطي أجر صاحبه فإنّه يسعى أن يعطيه بمقدار عمله ، إلّاأنّ اللَّه قد يضاعف الحسنة بعشر أمثالها وقد يضاعفها بمئات الأمثال وربّما بالآلاف ، إلّاأنّ أقلّ ما يتفضل اللَّه به على العبد أن يجازيه عشرة أضعاف حسناته ، حيث يقول القرآن في الآية ( 160 ) من سورة الأنعام : « مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا » . ثم يعقّب القرآن ليذكر جزاء المسيئين فيقول : « وَمَن جَاءَ بِالسَّيّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . وهذه هي مرحلة العدل الإلهي ، لأنّ المسئ لا يجازى إلّابقدر إساءته ، ولا تضاف على إساءته أيّة عقوبة . إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( 85 ) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ ( 86 ) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس : لما نزل النبي صلى الله عليه وآله بالجحفة في مسيره إلى المدينة ، لما هاجر إليها ، اشتاق إلى مكة فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال : أتشتاق إلى بلدك وهو مولدك ؟ ! فقال : نعم . قال جبرائيل : فإنّ اللَّه يقول : « إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ » « 1 » . يعني مكة . . . ونعلم إنّ هذا الوعد العظيم تحقق أخيراً .
هامش
( 1 ) راجع تفسير الميزان ، تفسير القرطبي ، ومجمع البيان ، « التّفسير الكبير » للفخر الرازي ، وتفاسير غيرها .