ولكون ورود جملة « يُذَبّحُ أَبْنَاءَهُمْ » بعد جملة « يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ » فإنّ مسألة أخرى تتجلى أمامنا ، وهي أنّ الفراعنة اتخذوا خطة لاستضعاف بني إسرائيل بذبح الأبناء ، لئلا يستطيع بنو إسرائيل أن يواجهوا الفراعنة ويحاربوهم ، وكانوا يتركون النساء اللاتي لا طاقة لهن على القتال والحرب ، ليكبرن ثم يخدمن في بيوتهم . وفي آخر جملة تأتي الآية بتعبير جامع ، وفيه بيان العلة أيضاً فتقول : « إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ » .
والتعبير ب « يذبّح » المشتق من مادة « المذبح » تدل على معاملة الفراعنة لبني إسرائيل كمعاملة القصابين للأغنام والأنعام الأخرى ، إذ كانوا يذبحون هؤلاء الناس الأبرياء ويحتزون رؤوسهم .
ثم تأتي الآية الأخرى لتقول : إنّ إرادتنا ومشيئتنا اقتضت احتواء المستضعفين بلطفنا وكرمنا ؛ « وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ » وأن تشملهم رعايتنا ومواهبنا تكون بيد الحكومة ومقاليد الأمور : « وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ » .
ويكونون اولي قوة وقدرة في الأرض « وَنُمَكّنْ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهمنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ » .
فهي بشارة في صدد انتصار الحق على الباطل والإيمان على الكفر .
وهي بشارة لجميع الأحرار الذين يريدون العدالة وحكومة العدل وانطواء بساط الظلم والجور .
وحكومة بني إسرائيل وزوال حكومة الفراعنة ما هي إلّانموذج لتحقق هذه المشيئة الإلهية والمثل الأكمل هو حكومة نبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأصحابه بعد ظهور الإسلام .
والمثل الأكبر والأوسع هو ظهور حكومة الحق والعدالة على جميع وجه البسيطة - والكرة الأرضية - على يد « المهدي » أرواحنا له الفداء .
ومن الطبيعي أنّ حكومة المهدي عليه السلام العالمية في آخر الأمر لا تمنع من وجود حكومات إسلامية في معايير محدودة قبلها من قبل المستضعفين ضد المستكبرين ، ومتى ما تمّت الظروف والشروط لمثل هذه المحكومات الإسلامية فإنّ وعد اللَّه المحتوم والمشيئة الإلهية سيتحققان في شأنها ، ولابدّ أن يكون النصر حليفها بإذن اللَّه .
مختصر الامثل — صفحة 494
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٩٤