تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
كما ويحتمل أنّ المراد منه العقاب العام الذي دفع أخيراً ، ببركة وجود النبي إذ كان رحمة للعالمين ، والآية ( 33 ) من سورة الأنفال شاهدة عليه : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ » . ثم يتحدث القرآن في الآية التالية عن هذه الحقيقة وهي أنّ اللَّه إذا لم يعجل في عقابكم ، فذلك بفضله وبرحمته ، حيث يمهل عباده الإمهال الكافي لإصلاح أنفسهم ، فيقول : « وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَايَشْكُرُونَ » . وإذا كانوا يتصورون أنّ تأخير العقاب لعدم علم اللَّه سبحانه لما يدور في خلدهم من نيات سيئة وأفكار ضالة ، فهم في غاية الخطأ : « وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ » « 1 » . فهو يعلم خفاياهم بمقدار ما يعلم من ظاهرهم وما يعلنون ، والغيب والشهادة عنده سيّان . ثم يضيف القرآن قائلًا : إنّه ليس علم اللَّه منحصراً بما تكنّ القلوب وما تعلن ، بل علمه واسع مطلق . « وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتبٍ مُّبِينٍ » . إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76 ) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 ) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 ) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 81 ) كان الكلام في الآيات السابقة عن المبدأ والمعاد ، أمّا في الآيات - محل البحث - فيقع الكلام على مسألة النبوة ، وحقانية القرآن ، ليكتمل بهما هذا البحث . أضف إلى ذلك أنّ الخطاب كان فيما سبق من الآيات موجهاً للمشركين ، وهنا يوجه الخطاب نحو الكفار الآخرين كاليهود واختلافاتهم . فتقول الآيات أوّلًا : « إِنَّ هذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » .
هامش
( 1 ) « تكنّ » : مأخوذ من كَنّ ( على وزن جَنّ ) ، وهذا الفعل يطلق على ما تستر فيه الأشياء وتحفظ ، وهنا كناية عن ما يخطر في قلوب الكفار من خواطر وأفكارعدوانية .
مختصر الامثل — صفحة 485 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي