قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 74 ) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ( 75 )
لا يضيق صدرك بمؤامراتهم : كان الكلام في الآيات السابقة عن إنكار المعاندين الكفار للمعاد ، واستهزائهم وتكذيبهم باليوم الآخر . ولما كان البحث المنطقي غير مُجد لهؤلاء القوم المعاندين والأعداء الألدّاء ، بالإضافة إلى ما أقامته الآيات الأخر من الدلائل الوافرة على المعاد مما يُرى كل يوم في عالم النباتات وفي عالم الأجنة ، وما إلى ذلك ، فإنّ الآيات محل البحث بدلًا من أن تأتيهم بدليل ، هددتهم بعذاب اللَّه الذي شمل من سبقهم من الكفار ، وأنذرتهم بعقابه المخزي . . . فوجهت الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله قائلةً :
« قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ » .
فأنتم تعترفون أنّ هذه الوعود تلقّاها أسلافكم ، فلم يكترثوا بها ، ولم يروا ضرراً .
وحيث إنّ الرسول صلى الله عليه وآله كان يشفق عليهم لإنكارهم ، ويحزن لعنادهم ، ويحترق قلبه من أجلهم ، إذ كان حريصاً على هدايتهم ، وكان يواجه مؤامراتهم أيضاً . . فإنّ الآية التالية تسري عن قلب النبي فتقول له : « وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ » ولا تقلق من مؤآمراتهم « وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ » .
إلّا أنّ هؤلاء المنكرين المعاندين ، بدلًا من أن يأخذوا إنذار النبي المشفق عليهم مأخذ الجد فيتعظوا بوعظه ويسترشدوا بنصحه ، أخذوا يسخرون منه « وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ » .
وهنا يردّ القرآن على استهزائهم وسخريتهم بلهجة موضوعية ، فيقول مخاطباً نبيّه : « قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ » .
والمراد من العذاب الذي كانوا يستعجلون به ، فقيل : هو ما أصابهم يوم بدر من هزيمة كبرى .
مختصر الامثل — صفحة 484
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٨٤