لا تتعب نفسك في نصحنا : رأينا في الآيات المتقدمة أحاديث النبي هود المحترق القلب شفقةً على قومه المعاندين « عاد » وما حملته هذه الأحاديث من معان غزيرة سامية ، والآن ينبغي أن نعرف جواب قومه الجارح وغير المنطقي ولا المعقول ، يقول القرآن في هذا الصدد : « قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مّنَ الْوَاعِظِينَ » . فلن يؤثر ذلك فينا ، فلا تتعب نفسك .
أمّا اعتراضك علينا بهذه الأمور فلا محل له من الاعراب : « إِنْ هذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ » .
وليس الأمر كما تقول ، فإنّه لا شيء بعد الموت ، « وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ » ، لا في هذا العالم ، ولا في العالم الآخر .
« الخُلُق » : - بضم الخاء واللام - معناه العادة والسلوك والأخلاق لأنّ هذه الكلمة جاءت بصيغة الإفراد بمعنى الطبع والسجيّة والعادة الأخلاقية ، وهي هنا إشارة إلى الأعمال التي كانت تصدر منهم كعبادة الأصنام ، وبناء القصور العالية الجميلة ، وحب الذات ، والتفاخر عن طريق تشييد الأبراج على النقاط المرتفعة ، وكذلك البطش عند الانتقام أو الجزاء ، أي إنّ ما نقوم به من أعمال هو ما كان يقوم به السلف فلا مجال للاعتراض والانتقاد .
ويبيّن القرآن عاقبة قوم هود الوبيلة فيقول : « فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنهُمْ » .
وفي ختام هذه الأحداث يذكر القرآن تلكما الجملتين المعبّرتين ، اللتين تكررتا في نهاية قصص نوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام ، فيقول : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً » على قدرة اللَّه ، واستقامة الأنبياء وعاقبة المستكبرين السيئة ، ولكن مع ذلك « وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » .
فيمهل إمهالًا كافياً ، ويمنح الفرصة ، ويبيّن الدلائل الواضحة للمضلين ليهتدوا ، إلّاأنّه عند المجازاة والعقاب ، وبعد إتمام الحجة يأخذ أخذاً عسيراً لا مفرّ لأحد منه أبداً .
مختصر الامثل — صفحة 442
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٤٢