تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
أيضاً ، ويضيف اللَّه تعالى في الآية الأولى هنا : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمنُ » . نحن لا نعرف « الرحمن » أصلًا ، وهذه الكلمة ليس لها مفهوم واضح عندنا ، « أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا » . نحن لا نخضع لأيّ أحد ، وسوف لن نكون أتباع أمر هذا أو ذاك ، « وَزَادَهُمْ نُفُورًا » . أي أنّهم يتكلمون بهذا الكلام ويزدادون ابتعاداً ونفوراً عن الحق . لا شكّ أنّ أنسب اسم من أسماء اللَّه للدعوة إلى الخضوع والسجود بين يديه ، هو ذلك الاسم الممتلىء جاذبية « الرحمن » مع مفهوم رحمته العامّة الواسعة ، لكن أولئك بسبب عمى قلوبهم ولجاجتهم ، لم يظهروا تأثراً حيال هذه الدعوة ، بل تلقوها بالسخرية والاستهزاء ، وقالوا على سبيل التحقير : « وَمَا الرَّحْمنُ » . الآية التالية إجابة على سؤالهم حيث كانوا يقولون : « وما الرحمن ؟ » وإن كانوا يقولون هذا على سبيل السخرية ، لكن القرآن يجيبهم إجابة جادة ، يقول تعالى : « تَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا » . « البروج » : جمع « برج » في الأصل بمعنى « الظهور » ولذا يسمون ذلك القسم الأعلى والأظهر من جدار أطراف المدينة أو محل تجمع الفرقة العسكرية « برج » . فالبروج السماوية إشارة إلى الصور الفلكية الخاصة حيث تستقر الشمس والقمر في كل فصل وكل موضع من السنة إزاء واحد منها ، يقولون مثلًا : استقرت الشمس في برج « الحمل » يعني أنّها تكون بمحاذاة « الصورة الفلكية » ، « الحمل » ، أو القمر في « العقرب » يعني وقفت كرة القمر أمام الصورة الفلكية « العقرب » . بهذا الترتيب ، أشارت الآية إلى منازل الشمس والقمر السماوية ، وتضيف على أثر ذلك : « وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا » . مع هذه الدلائل الواضحة ، ومع هذه المنازل البديعة والدقيقة للشمس والقمر ، فهل ما زلتم تجهلونه وتقولون : « وما الرحمن ؟ ! » في الآية الأخيرة يواصل القرآن الكريم التعريف بالخالق سبحانه ، ويتحدث مرّة أخرى في قسم آخر من نظام الوجود ، فيقول تعالى : « وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا » . هذا النظام البديع الحاكم على الليل والنهار ، لولاه لانعدمت حياة الإنسان نتيجةً لشدة النور والحرارة أو الظلمة والعتمة ، وهذا دليل رائع للذين يريدون أن يعرفوا اللَّه عزّ وجل .