تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) الآية الأولى - مورد البحث - أشارت إلى عظمة مقام النبي صلى الله عليه وآله ، يقول تعالى : لو أردنا لبعثنا نبيّاً في كل مدينة وبلد ، لكنّنا لم نفعل هذا وألقينا مسؤولية هداية العالمين على عاتقك ، « وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا » . لأنّ تمركز النبوة في وجود فرد واحد يكون باعثاً على وحدة وانسجام الناس ، ومانعاً من كل فرقة وتشتت . إنّ هذه الآية دليل على عظمة مقام النبي صلى الله عليه وآله ، فهي دليل كذلك على وجوب وحدة القائد ، وعلى ثقل عبء مسؤوليته . وبنفس هذا الدليل ، يبيّن اللَّه تبارك وتعالى في الآية التالية أمرين إلهيين مهمين يشكلان منهجين أساسيين للأنبياء ، فيوجه الخطاب أوّلًا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ويقول : « فَلَا تُطِعِ الْكفِرِينَ » . لا تخطُ أيّة خطوة على طريق التوافق مع انحرافاتهم ، فإنّ التوافق مع المنحرفين آفة الدعوة إلى اللَّه . أمّا القانون الثاني فهو : جاهد أولئك بالقرآن : « وَجهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا » . جهاداً كبيراً بعظمة رسالتك ، وبعظمة جهاد كل الأنبياء الماضين ، الجهاد الذي يشمل جميع الأبعاد الروحية والفكرية للناس ، ويشمل كل الأصعدة المادية والمعنوية . هذا التعبير يجسد أيضاً عظمة مقام القرآن ، ذلك لأنّه وسيلة هذا الجهاد الكبير وسلاحه القاطع ، فإنّ قدرته البيانية واستدلاله وتأثيره العميق وجاذبيته فوق تصور وقدرة البشر . ثم يتناول القرآن الكريم مجدداً الاستدلال على عظمة الخالق عن طريق بيان نعمه في النظام الكوني ، فيشير بعد ذكر المطر في الآيات السابقة إلى عدم الاختلاط بين المياه العذبة والمالحة : « وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا » .
مختصر الامثل — صفحة 404 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي