تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
أشار القرآن المجيد في هذه الآيات إلى تاريخ الأمم الماضية ومصيرهم المشؤوم مؤكّداً على ست أمم . يقول أوّلًا : « وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هرُونَ وَزِيرًا » . فقد ألقيت على عاتقيهما المسؤولية الثقيلة في جهاد الفراعنة ، ويجب عليهما مواصلة هذا العمل الثوري بمساعدة أحدهما الآخر حتى يثمر : « فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بَايَاتِنَا » . فإنّهم قد كذبوا دلائل اللَّه وآياته التي في الآفاق وفي الأنفس وفي كل عالم الوجود ، ومن جهة أخرى أعرضوا عن تعاليم الأنبياء السابقين وكذبوهم . ولكن بالرغم من جميع الجهود والمساعي التي بذلها موسى وهارون ، بالرغم من رؤية كل تلك المعجزات العظيمة والبينات المتنوعة ، أصروا أيضاً على طريق الكفر والإنكار ، لذا « فَدَمَّرْنهُمْ تَدْمِيرًا » . « تدمير » : من مادة « دمار » بمعنى الإهلاك بأسلوب يثير العجب . وكذلك : « وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنهُمْ وَجَعَلْنهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا » . وكذلك : « وَعَادًا وَثَمُودَا وَأَصْحبَ الرَّسّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا » . « قوم عاد » هم قوم النبي « هود » العظيم ، الذي بعث في منطقة ( الأحقاف ) أو ( اليمن ) . و « قوم ثمود » قوم نبي اللَّه « صالح » الذي بعث في منطقة وادي القرى ( بين المدينة والشام ) . « رسّ » : في الأصل بمعنى الأثر القليل ، و « أصحاب الرس » كانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر كان يافث بن نوح غرسها وكان لهم اثنتا عشرة قرية معمورة على شاطىء نهر يقال له « الرسّ » ، ولمّا طال منهم الكفر باللَّه وعبادة الشجرة ، بعث اللَّه إليهم رسولًا من بني إسرائيل من ولد يهودا ، فدعاهم برهة إلى عبادة اللَّه وترك الشرك ، فلم يؤمنوا ، فدعا على الشجرة فيبست ، فلمّا رأوا ذلك ساءهم ، فاجتمعت آراؤهم على قتله فحفروا بئراً عميقاً وألقوه فيها ، فأتبعهم اللَّه بعذاب شديد أهلكهم عن آخرهم . « قرون » : جمع « قرن » وهي في الأصل بمعنى الجماعة الذين يعيشون معاً في زمان واحد ، ثم أطلقت على الزمان الطويل ( أربعين أو مائة سنة ) . لكنّنا لم نجاز أولئك على غفلة أبداً ، بل « وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثلَ » . أجبنا على إشكالاتهم ، مثل الإجابة على الإشكالات التي يوردونها عليك ، أخطرناهم ، أنذرناهم ، كررنا عليهم مصائر وقصص الماضين ، لكن حين لم ينفع أيّ من ذلك أهلكناهم
مختصر الامثل — صفحة 399 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي