تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
إلهي ، إنّ الناس قد هجروا القرآن : كما تناولت الآيات السابقة أنواعاً من ذرائع المشركين والكافرين المعاندين ، تتناول الآية الأولى في مورد البحث هنا حزن وشكاية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بين يدي اللَّه عزّ وجل من كيفية تعامل هذه الفئة مع القرآن ، فتقول : « وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا » . قول الرسول صلى الله عليه وآله هذا ، وشكواه هذه ، مستمران إلى هذا اليوم من فئة عظيمة من المسلمين ، يشكو بين يدي اللَّه أنّهم دفنوا القرآن بيد النسيان ، القرآن الممتلىء ببرامج الحياة ، هجروا هذا القرآن فمدّوا يد الاستجداء إلى الآخرين ، حتى في القوانين المدنية والجزائية . إنّ القرآن بينهم كتاب للمراسم والتشريفات ، يذيعون ألفاظه وحدها بأصوات عذبة عبر محطات البث ، ويستخدمونه في زخرفة المساجد بعنوان الفن المعماري ، ولافتتاح منزل جديد ، أو لحفظ مسافر ، وشفاء مريض ، وعلى الأكثر للتلاوة من أجل الثواب . تقول الآية التي بعدها في مواساة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، حيث كان يواجه هذا الموقف العدائي للخصوم : « وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ » . لست وحدك قدواجهت هذه العداوة الشديدة لهذه الفئة ، فقد مرّ جميع الأنبياء بمثل هذه الظروف ، حيث كان يتصدى لمخالفتهم فريق من ( المجرمين ) فكانوا يناصبونهم العداء . ولكن إعلم أنّك لست وحيداً ، وبلا معين ، « وَكَفَى بِرَبّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا » . فلا وساوسهم تستطيع أن تضلك ، لأنّ اللَّه هاديك ، ولا مؤامراتهم تستطيع أن تحطمك ، لأنّ الخالق معينك ، الخالق الذي علمه فوق كل العلوم ، وقدرته أقوى من كل القدرات . الآية التي بعدها تشير أيضاً إلى ذريعة أخرى من ذرائع هؤلاء المجرمين المتعللين بالمعاذير ، فتقول : « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً » . واساساً فقد كان الأفضل للنبي صلى الله عليه وآله أيضاً أن يكون ذا اطلاع على جميع هذا القرآن دفعة واحدة ، كيما يجيب الناس فوراً على كل ما يسألونه ويريدون منه . ولكن القرآن في تتمة هذه الآية نفسها يجيبهم : « وَكَذلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنهُ تَرْتِيلًا » . إنّ القرآن مجموعة من أوامر ونواهي ، أحكام وقوانين ، تاريخ وموعظة ، ومجموعة من الخطط ذات المدى الطويل أو القصير في مواجهة الأحداث التي كانت تبرز أمام مسير الأمة