تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
الإدعاءات الكبيرة : الآيات الحالية ، تطرح شكلين آخرين من ذرائع المشركين وتجيب عليها ، فيقول تعالى أوّلًا : « وَقَالَ الَّذِين لَايَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا » . فعلى فرض أنّنا سنقبل أنّ النبي يستطيع أن يعيش الحياة العادية مثلنا ، لكن أن يتنزل الوحي عليه وحده ، ولا نراه نحن ، فهذا ما لا يمكن القبول به . وأفضل دليل على أنّهم لم يكونوا يقولون هذه الأقوال من أجل التحقيق حول نبوّة النبي ، هو أنّهم طلبوا أن يشاهدوا الخالق ، وأنزلوه إلى حدّ جسم يمكن رؤيته ، ذلك الطلب نفسه الذي طلبه مجرمو بني إسرائيل أيضاً ، فسمعوا الجواب القاطع على ذلك ، حيث ورد شرحه في الآية ( 143 ) من سورة الأعراف . لذا يقول القرآن في الإجابة على هذه الطلبات في آخر الآية مورد البحث : « لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا » . « العتو » : على وزن « غلو » ، بمعنى الامتناع عن الطاعة ، والتمرد على الأمر ، مصحوباً بالعناد واللجاجة . وتعبير « في أنفسهم » من الممكن أن يكون بمعنى : أنّ هؤلاء صاروا أسارى الغرور والتكبّر في أنفسهم . ومن الممكن أن يكون أيضاً بمعنى أنّهم أخفوا كبرهم وغرورهم في قلوبهم وأظهروا هذه المعاذير . ثم يقول تعالى بصيغة التهديد : إنّ هؤلاء الذين يطلبون أن يروا الملائكة ، سوف يرونهم آخر الأمر ، لكن « يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلِكَةَ لَابُشْرَى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ » . بلى سوف لن يُسرّوا برؤية الملائكة في ذلك اليوم ، لأنّهم سيرون علامات العذاب برؤيتهم الملائكة ، وسوف يغمرهم الرعب إلى حد أنّهم سيطلقون صرخات الاستغاثة التي كانوا يطلقونها في الدنيا حال الإحساس بالخطر أمام الآخرين ، فيقولون : الأمان . . الأمان ، اعفوا عنّا : « وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا » . « حجر » : على وزن « قشر » ، تقال في الأصل للمنطقة التي حجروها وجعلوها ممنوعة الورود ، وعندما يقال « حجر إسماعيل » فلأنّ حائطاً انشيء حوله فحجز داخله . يقولون للعقل أيضاً « حجراً » لأنّه يمنع الإنسان من الأعمال المخالفة . وأيضاً « أصحاب الحجر » الذين ورد اسمهم في القرآن ( الآية 80 من سورة الحجر ) وهم قوم صالح الذين كانوا ينحتون لأنفسهم بيوتاً حجرية محكمة في قلوب الجبال ، فكانوا يعيشون في أمانها . أمّا جملة « حجراً محجوراً » فقد كانت اصطلاحاً بين العرب ، إذا التقوا بشخص يخافونه ، فأنّهم يقولون هذه الجملة أمامه لأخذ الأمان .
مختصر الامثل — صفحة 393 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي