تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
فيسأل المعبودين : « فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ » . ففي الإجابة : « قَالُوا سُبْحنَكَ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ » . فليس فقط أنّنا لم ندعهم إلى أنفسنا ، بل إنّنا كنّا نعترف بولايتك وربوبيتك ، ولم نقبل غيرك معبوداً لنا ولغيرنا . وكان سبب انحراف أولئك هو : أنّ اللَّه تعالى رزقهم الكثير من مواهب الدنيا ونعيمها فتمتعوا هم وآباءهم وبدلًا من شكر اللَّه تعالى غرقوا في هذه الملذات ونسوا ذكر اللَّه : « وَلكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذّكْرَ » . فالحياة المرفهة لجماعة ضيقة الأفق ، ضعيفة الإيمان ، تبعث على الغرور ، ولهذا هلكوا واندثروا « وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا » . « بور » : من مادة « بوار » وهي في الأصل بمعنى شدّة كساد الشيء ، ولأنّ شدّة الكساد تبعث على الفساد ، فهذه الكلمة بمعنى الفساد ، ثم أطلقت بعد هذا على الهلاك . وعلى هذا فإنّ قوله تعالى : « وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا » إشارة إلى أنّ هذا الفريق على أثر انغماسهم في الحياة المادية المرفهة ، ونسيانهم اللَّه واليوم الآخر ، صاروا إلى الفساد والهلكة . هنا يوجّه اللَّه تبارك وتعالى الخطاب إلى المشركين فيقول : « فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ » . لأنّ الأمر هكذا ، وكنتم أنتم قد أضللتم أنفسكم فليس لديكم القدرة على دفع العذاب عنكم : « فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا » . لا شك أنّ « الظلم » له مفهوم واسع ، ومع أنّ موضوع البحث في الآية هو « الشرك » الذي هو أحد المصاديق الجلية للظلم ، إلّا أنّه لا يقدح بعمومية المفهوم . والملفت للنظر أنّ « من يظلم » جاءت بصيغة الفعل المضارع ، وهذا يدل على أنّ القسم الأوّل من البحث وإن كان مرتبطاً بمناقشات البعث ، لكن الجملة الأخيرة خطاب لهم في الدنيا ، لعل قلوب المشركين تصبح مستعدة لقبول الإيمان على أثر سماعها محاورات العبابدين والمعبودين في القيامة ، فيحوّل الخطاب من القيامة إلى الدنيا فيقول لهم : « وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا » . وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 )