تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
آية النور : تحدث الفلاسفة والمفسرون والعرفاء الإسلاميون كثيراً عن مقاصد الآيات أعلاه ، وهي مرتبطة بما سبقها من الآيات الشريفة التي عرضت لقضية العفة ومكافحة الفحشاء بمختلف السبل . وبما أنّ ضمانة تنفيذ الأحكام الإلهية ، وخاصة السيطرة على الغرائز الثائرة ، ولا سيما الغريزة الجنسية التي هي أقوى الغرائز ، لا تتمّ دون الاستناد إلى الإيمان ، ومن هنا امتد البحث إلى الإيمان وأثره القوي ، فقالت الآية أوّلًا : « اللَّهُ نُورُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . وإذا أردنا تشبيه الذات المقدسة لربّ العالمين ( رغم منزلته العظيمة التي لا نظير لها ولا شبيه ) فلا نجد خيراً من النور ! اللَّه الذي خلق كل شيء في عالم الوجود ونوّره ، فأحيا المخلوقات الحية ببركته ، ورزقها من فضل ، ولو انقطعت رحمته عنها لحظة ، لأصبح الجميع في ظلمات الفناء والعدم . ومما يلفت النظر أنّ كل مخلوق يرتبط باللَّه بمقدار معين يكتسب من النور بنفس ذلك المقدار : القرآن نور لأنّه كلام اللَّه . والدين الإسلامي نور لأنّه دينه . الأنبياء أنوار لأنّهم رسله . والأئمة المعصومون عليهم السلام أنوار إلهية ، لأنّهم حفظة دينه بعد النبي صلى الله عليه وآله . والإيمان نور ، لأنّه رمز الالتحام به سبحانه وتعالى . والعلم نور ، لأنّه السبيل إلى معرفته - عزّ وجل - . ولهذا : « اللَّه نور السماوات والأرض » . وإذا استعملنا كلمة « النور » بمعناها الواسع ، أي الظاهر في ذاته والمظهر لغيره في هذه الحالة يصبح استعمال كلمة النور الذات اللَّه المقدسة حقيقة ولا تشبيه فيها ، لأنّه لا يوجد أظهر من اللَّه تعالى في العالم ، وكل الأشياء تظهر من بركات وجوده . وبهذا تأخذ أنوار الوجود نورها من نوره وتنتهي إلى نوره الطاهر . وقد أوضح القرآن بعد بيانه الحقائق السالفة ذلك ، إذْ ذكر مثالًا رائعاً دقيقاً لكيفية النور الإلهي : « مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّاشَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ
مختصر الامثل — صفحة 364 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي