آخر آية موضع البحث يبيّن اللَّه تعالى كيفية عقاب الكفار بجملة موجزة ذات دلالة واسعة : « فَكَأَيّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ » . وأضافت الآية أنّ سقف بيوتها قد باتت أسفل البناء : « فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا » . أي إنّ الواقعة كانت شديدة حتى أنّ السقوف إنهارت أوّلًا ثم الجدران على السقوف « وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ » فما أكثر الآبار المترعة بمياهها العذبة ، ولكنّها غارت في الأرض بعد هلاك أصحابها فأصبحت معطّلة لا نفع فيها .
« وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ » « 1 » . أجل ما أكثر القصور المشيدة التي ارتفعت شاهقة وزُيّنت ، إلّاأنّها أضحت خرائب بعد أن هلك أصحابها ، والنتيجة إنّهم تركوا مساكنهم وقصورهم المجللة ، وأهملوا مياههم وعيونهم التي كانت مصدر حياتهم وعمران أراضيهم وذهبوا ، وكذلك الآبار الغنيّة بالماء أصبحت معطّلة لا ماء فيها .
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 48 )
السير في الأرض والعبرة : تحدثت الآيات السابقة عن الأقوام الظالمة التي عاقبها اللَّه على ما إقترفت أيديهم فدمّر أحياءهم ، وأكّدت الآية الأولى هذه القضيّة فقالت : « أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا » .
أجل ، تحدّثنا عن خرائب قصور الظلمة ، ومنازل الجبابرة المهدّمة ، وعبدة الدنيا .
إنّ هذه الخرائب كتب ناطقة تتحدّث عن ماضي هؤلاء الأقوام ، ونتائج أعمالهم وسلوكهم في الحياة ، وعن أعمالهم المشؤومة ، وأخيراً عن العقاب الذي صبّه اللَّه عليهم .
ولإيضاح حقيقة هذا الكلام بشكل أفضل قال القرآن المجيد : « فَإِنَّهَا لَاتَعْمَى الْأَبْصرُ
هامش
( 1 ) « المشيد » : مشتقة من « شيد » ذات معنيين : أوّلهما الارتفاع ، والثاني الجصّ ، فتعني لفظة « قصر مشيد » القصرالمرتفع .
والمعنى الثاني القصر الذي بني على أسس ثابتة قويّة ليصان من حوادث الزمان ، وبما أنّ معظم منازل ذلك العصر تبنى من الطين ، فإنّ المنزل الذي يبنى بالجصّ يكون أقوى من هذه البيوت ويكون متميّزاً عنها .