تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
تشكيك المخالفين للمبدأ والمعاد ، فالآيات محل البحث طرحت دليلين منطقيين قويين لإثبات المعاد الجسماني : أحدهما التغيّرات التي تحدث في مراحل تكوين الجنين ، والآخر هو التغيّرات التي تحدث في الأرض عند خروج النبات . والخطاب القرآني يعمّ جميع الناس بنوره : « يَا أيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ » « 1 » . كل ذلك من أجل أن نوضّح لكم حقيقة قدرتنا على القيام بأيّ عمل « لِّنُبَيّنَ لَكُمْ » . فتبقى الأجنّة في الأرحام إلى مدّة معلومة نحن نحدّدها لتمرّ بمراحل تكاملها ، ونسقط ما نريد منها فنخرجها من الأرحام في وسط الطريق قبل أن تكمل « وَنُقِرُّ فِى الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى » . ثم تبدأ الأجنّة مرحلة تطور جديدة ، لنخرجكم أطفالًا من أرحام أمهاتكم ، « ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا » وبهذا تنتهي مرحلة حياتكم المحدّدة في بطون أمهاتكم . فتضعون أقدامكم في محيط أوسع مملوء بالنور والصفاء ، وإمكانات واسعة جدّاً ، إلّاأنّ تكاملكم يستمر في قطع المسافات بسرعة لتبلغوا الهدف ، ألا وهو الرشد والكمال الجسمي والعقلي ، « ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ » . وهنا يتبدل الجهل إلى علم ، والضعف إلى قوة ، والتبعية إلى الاستقلال ، لكن مسيرة حياتكم تطوى وتستمر فبعضكم يودّع الحياة بينما يستمر آخرون حتى المرحلة الأخيرة من الحياة ، أي مرحلة الشيخوخة بعد تكاملهم : « وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ » . أجل ، فالمرء يصل إلى مرحلة لا يتذكر فيها شيئاً ، حيث يسيطر عليه النسيان ، ويصبح في وضع وكأنّه طفل « لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيًا » . وهذا الضعف والخمول دليل على بلوغ المرء مرحلة إنتقالية جديدة كما نجد ضعف التحام الثمرة بالشجرة حين تبلغ مرحلة النضج مما يدل على وصولها إلى مرحلة الانفصال . ثم تتناول الآية بيان الدليل الثاني أي حياة النباتات ، فتبيّن ما يلي : انظر إلى الأرض في فصل الشتاء فتجدها جافّة وميتة ، فإذا سقط المطر وحلّ الربيع ، دبّت الحياة والحركة فيها ونبتت أنواع النباتات فيها ونمت « وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » « 2 » .
هامش
( 1 ) « المضغة » : مشتقة من « المضغ » وتعني مقداراً من اللحم يمكن للإنسان مضغه في لقمة واحدة ، وهذا تشبيه‌رائع للجنين في المرحلة التي تعقب مرحلة العلقة . ( 2 ) « الهامدة » : تعني في الأصل النّار التي أطفئت ، ويطلق على الأرض التي جفّت نباتاتها وأصبحت دون حركة ( مفردات الراغب الاصفهاني ) . والبعض الآخر قال : إنّ كلمة « هامدة » تطلق على الحد الفاصل بين الموت والحياة ( تفسير في ظلال القرآن ) . « إهتزّت » : مشتقة من « الهزّ » وتعني تحرّكت بشدة . « ربت » : مشتقة من « الربو » وتعني الزيادة والنمو ، كما أنّ كلمة « ربا » مشتقة أيضاً من « الربو » . « بهيج » : تعني الجميل الساحر السارّ .