تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » . إنّ المراد من حركة الشمس في الآية إمّا الدوران حول نفسها ، أو حركتها ضمن المنظومة الشمسية . وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ( 34 ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( 35 ) الموت يتربّص بالجميع : قرأنا في الآيات السابقة أنّ المشركين قد تشبّثوا بمسألة كون النبي صلى الله عليه وآله بشراً من أجل التشكيك بنبوته . إنّ الآيات محل البحث أشارت إلى بعض إشكالات هؤلاء ، فهم يشيعون تارةً أنّ انتفاضة النبي ( وفي نظرهم شاعر ) لا دوام لها ، وسينتهي بموته كل شيء ، كما جاء في الآية ( 30 ) من سورة الطور : « أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ » . وكانوا يظنّون تارةً أخرى أنّ هذا الرجل لمّا كان يعتقد أنّه خاتم النبيين ، فيجب أن لا يموت أبداً ليحفظ دينه ، وبناء على هذا فإنّ موته في المستقبل سيكون دليلًا على بطلان إدّعائه . فيجيبهم القرآن في أوّل آية فيقول : « وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ » . إنّ قانون الخلقة هذا لا يقبل التغيير ، أي انّه لا يكتب لأحد الخلود ، وإذا كان هؤلاء يفرحون بموتك : « أَفَإِين مّتَّ فَهُمُ الْخلِدُونَ » . إنّ بقاء الشريعة والدين لا يحتاج إلى بقاء الرسول ، فمن الممكن أن يستمر خلفاؤه في إقامة دينه والسير على خطاه . ثم يذكر قانون الموت العام الذي يصيب كل النفوس بدون استثناء فيقول : « كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ » . إنّ لفظة ( النفس ) قد استعملت في القرآن بمعان مختلفة ، فأوّل معنى للنفس هو الذات ، وهذا المعنى واسع يطلق حتى على ذات اللَّه المقدسة ، كما جاء في الآية ( 12 ) من سورة الأنعام : « كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » . ثم استعملت هذه الكلمة في الإنسان ، أي مجموع جسمه وروحه ، كما في الآية ( 32 ) من سورة المائدة : « مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا » . واستعملت أحياناً في خصوص روح الإنسان كما في الآية ( 93 ) من سورة الأنعام : « أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ » .
مختصر الامثل — صفحة 252 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي