تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
عظيمة لقفت كل آلات وأدوات سحر السّحرة ، فعلت الصيحة والغوغاء من الحاضرين ، فاستوحش فرعون وإرتبك ، وفغر أتباعه أفواههم من العجب . فأيقن السحرة الذين لم يواجهوا مثل هذا المشهد من قبل ، وكانوا يفرّقون جيّداً بين السحر وغيره ، إنّ هذا الأمر ليس إلّامعجزة إلهية ، وأنّ هذا الرجل الذي يدعوهم إلى ربّهم هو رسول اللَّه ، فاضطربت قلوبهم ، وتبيّن التحوّل العظيم في أرواحهم ووجودهم ) . والآن نسمع بقيّة الحديث من لسان الآيات : « فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبّ هرُونَ وَمُوسَى » . إنّ التعبير ب ( القي ) - وهو فعل مبني للمجهول - ربّما كان إشارة إلى أنّهم قد صدّقوا موسى ، وتأثّروا بمعجزته إلى الحد الذي سجدوا معه دون إرادة . إنّ عمل السّحرة هذا قد وجّه صفعة قويّة إلى فرعون وحكومته الجبارة المستبدة الظالمة ، ولذلك لم ير فرعون بدّاً إلّاأن يجمع كيانه ويلملم ما تبقّى من هيبته وسلطانه عن طريق الصراخ والتهديد والوعيد الغليظ ، فتوجّه نحو السحرة و « قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ » . إنّ هذا الجبار المستكبر لم يكن يدّعي الحكومة على أجسام وأرواح الناس وحسب ، بل كان يريد أن يقول : إنّ قلوبكم تحت تصرفي أيضاً ، ويجب على أحدكم إذا أراد أن يصمّم على أمر ما أن يستأذنني . إنّ فرعون لم يكتف بذلك ، بل إنّه ألصق بالساحرين التهمة وقال : « إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّحْرَ » . لا شكّ أنّ فرعون كان على يقين ومعرفة تامّة بكذب كلامه وبطلانه ، إلّاأنّا نعلم أنّ الطغاة لا يتورّعون عن إلصاق أي كذب وتهمة بخصومهم عندما يرون مركزهم الذي حصلوا عليه بغير حق يتعرّض للخطر . ثم إنّه لم يكتف بهذا ، بل إنّه هدّد السحرة أشدّ تهديد ، التهديد بالموت ، فقال : « فَلَأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلفٍ وَلَأُصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى » . لكن نرى ماذا كان ردّ فعل السحرة تجاه تهديدات فرعون الشديدة ؟ إنّهم لم يخافوا ولم يهربوا من ساحة المواجهة ، أثبتوا صمودهم في الميدان بصورة قاطعة ، و « قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيّنتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ » لكن ، ينبغي أن تعلم بأنّك تقدر على
مختصر الامثل — صفحة 218 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي