تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
الآيات السابقة فيقول : « فَوَ رَبّكَ لَنَسَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . إنّ عالم السر والعلن ومن لا يخفى عليه ذرة ما في السماوات والأرضين لا يسأل لكشف أمر خفي عليه ( سبحانه وتعالى عن ذلك ) وإنّما السؤال لتفهيم المسؤول قبح فعله ، فالسؤال قسم من العقاب الروحي . ثم يأمر اللَّه تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بقوله : « فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ » . أي : لا تخف من ضوضاء المشركين والمجرمين ، ولا تضعف أو تترد أو تسكت ، بل أدعهم إلى رسالتك جهاراً . « وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » ولا تعتن بهم . « فاصدع » : من مادة « صدع » وهي لغة بمعنى « الشق » بشكل مطلق ، أو شق الأجسام المحكمة بما يكشف عمّا في داخلها ، ويقال أيضاً لألم الرأس الشديد ( صداع ) وكأنّه من شدّته يريد أن يشق الرأس . وهي هنا . . . بمعنى : الإظهار والإعلان والإفشاء . فالإعراض عن المشركين هنا بمعنى الإهمال ، أو ترك مجاهدتهم وحربهم ، لأنّ المسلمين في ذلك الوقت لم تصل قدرتهم - بعد - لمستوى المواجهة مع الأعداء وحربهم . ثم يطمئن اللَّه تعالى نبيه صلى الله عليه وآله تقوية لقلبه : « إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ » . ثم يصف المستهزئين : « الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » . كأنّ القرآن يريد أن يقول : إنّ أفكار وأعمال هؤلاء بنفسها عبث ، سخف ، حيث يعبدون ما ينحتونه بأيديهم من حجر وخشب ، ودفعهم جهلهم لأن يجعلوا مع اللَّه - ما صنعوه بأيديهم - آلهة ! ومع ذلك . . . يستهزؤون بك . ولمزيد من التأكيد على اطمئنان قلب النبي صلى الله عليه وآله يضيف تعالى قائلًا : « وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ » . فروحك اللطيفة وقلبك الطيّب الرقيق لا يتحملان تلك الأقوال السيئة وأحاديث الكفر والشرك ، ولذلك يضيق صدرك . ولكن لا تحزن من قبح أقوالهم « فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُن مّنَ السَّاجِدِينَ » . لأنّ تسبيح اللَّه يذهب أثر أقوالهم القبيحة من قلوب أحبّاء اللَّه . ولهذا نقرأ في رواية نقلًا عن ابن عباس أنّه قال : كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة . ثم يعطي اللَّه نبيه صلى الله عليه وآله آخر أمر في هذا الشأن : « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ » . إنّ العبادة مدرسة عالية للتربية ، لأنّها توقظ عقل الإنسان ، وتوجّه فكره نحو المطلق ،