تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
وعداءهم بالمحبة والعفو وغضّ النظر عن الذنوب ، والصفح عنهم بالصفح الجميل ، أي غير مصحوب بملامة « فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ » . لأنّك تملك الدليل الواضح على ما أمرت بالدعوة إليه ، فلا تحتاج وإياهم إلى الخشونة . بالإضافة إلى أنّ الخشونة مع الجهلة غالباً ما تؤدّي بهم إلى الردّ بالمثل ، بل وبأشد من ذلك . « الصفح » : هو وجه كل شيء ، كوجه الصورة ، ولهذا فقد جاءت كلمة « فاصفح » بمعنى أدر وجهك وغضّ النظر عنهم . وبما أنّ إدارة الوجه وصرفه عن الشيء قد تعطي معنى عدم الاهتمام والنفرة وما شابه ذلك وكذلك معنى العفو والصفح ، فقد ذكرت الآية المتقدمة كلمة « الجميل » بعد « الصفح » لكي تحدد المعنى الثاني . الآية التالية بمنزلة الدليل على وجوب العفو والصفح الجميل ، حيث تقول : « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلقُ الْعَلِيمُ » . ثم يواسي اللَّه تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وآله أن لا تقلق من وحشية الأعداء وكثرتهم وما يملكون من إمكانات مادية واسعة ، لأنّ اللَّه أعطاك ما لا يقف أمامه شيء : « وَلَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مّنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ » . اعتبر أكثر المفسرين أنّ « سبعاً من المثاني » كناية عن سورة الحمد ، والروايات كذلك تشير لهذا المعنى . والداعي لذلك كونها تتألف من سبع آيات ، لأهميتها وعظمة محتواها فقد نزلت مرّتين على النبي محمّد صلى الله عليه وآله . إنّ اللَّه تعالى قد صرّح لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله بأنّك قد ملكت سنداً عظيماً ( القرآن ) ، ولا تستطيع أي قوة في عالم الوجود أن تصرعه . وبالذات سورة الفاتحة منه التي لها من المحتوى والأثر بحيث لو إرتبط العبد بربّه ولو للحظة واحدة لحلّقت روحه لساحة قدس الرب ، وهي تعيش حال التعظيم والتسليم والمناجاة والدعاء . وبعد هذه الهبة العظيمة يأمر اللَّه تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وآله بأربعة أوامر فيقول له أوّلًا : « لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّنْهُمْ » . فمتاع الحياة الدنيا ليست دائمة ولا خالية من التبعات ، والحفاظ عليها أمر صعب في أحسن الحالات .